94وقال المقريزي:
قال علي بن عيسى: معنى "لا أُكلِّمكما" يعني: في هذا الميراث أنتما صادقان. قال مؤلِّفه: تأويل علي بن عيسى بن يزيد البغدادي هذا غير موافَق عليه؛ فقد روى الليث عن عقيل، عن أبي شهاب، عن عروة، عن عائشة: "طلبت فاطمة ميراثها في أبيها من أبي بكر"، وفي الحديث: "فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت". اتَّفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث وهذه اللفظة فيه، وروى إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، هذا الحديث بهذا الإسناد، وفيه: "فغضبت فاطمة بنت رسول الله(ص)، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت". واتَّفقا أيضاً على هذا الحديث، وانفرد البخاري بهذا اللفظ دون مسلم 1 .
فردُّ المقريزي لتأويل علي بن عيسى، ومعارضته بما في الصحيحين، يدلّ على اعتقاده بأنَّ ما في الصحيحين صريح الدلالة على الغضب والهجران وعدم الرضا.
ولا يختلف الحال كثيراً في قوله:
«فوجدت فاطمة» ؛ إذ إنَّ الوجد لُغةً يُستعمَل في الغضب أيضاً. قال ابن السكيت:
«وجدَ ضالَّته وجداناً، ووجدَ عليه في الغضب موجَدة»
2
، وقال الفراهيدي:
«والموجدة من الغضب»
3
، وقال ابن منظور:
ووجد عليه في الغضب، يجُد ويجِدُ وجْداً وجِدَةً وموجَدة ووجداناً: غضب. وفي حديث الإيمان: "إنِّي سائلك فلا تجد عليَّ. أي: لا تغضب من سؤالي" 4 .
وكما أنَّ ما في الصحيح صريح في الغضب والهجران، كذلك هو صريح في استمرار هذا الغضب والهجران حتّى وفاة فاطمة عليها السلام ، وأنَّها ماتت وهي غاضبة على أبي بكر:
«فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت» .