93حتّى يكون النقل باللفظ أو المعنى مؤثِّراً في الاحتجاج به، وإنَّما كان بصدد نقل حادثة وحالة نفسية، وقد استعمل فيها الألفاظ التي تعكس تلك الحالة التي شاهدها، وقد دلَّت كلّ تلك الألفاظ على عدم الرضا والهجر.
دلالة الحديث
إنَّ الغضب ضدّ الرضا. قال ابن منظور في لسان العرب:
«الغضب: نقيض الرضا، وقد غضب عليه غضباً ومغضبة، وأغضبته أنا فتغضب» 1. ويدلّ على شدّة وقوّة، ويقال: إنَّ الغضبةَ الصخرةُ الصلبة، قالوا: ومنه اشتقَّ الغضب؛ لأنَّه اشتداد السخط، يُقال: غضب يغضب غضباً، وهو غضبان وغضوب 2.
وهذا الحديث، بمختلف ألفاظه، صريح الدلالة على عدم الرضا؛ فقوله:
«فغضبت فاطمة بنت رسول الله (ص) ،فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتّى توفّيت» ، صريح في غضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر وهجرانها له، بما لا يقبل التأويل، وقد أقرَّ بذلك ابن حجر بشكل ضمني عند تعقيبه لِما أخرجه أحمد وأبو داود من طريق أبي الطفيل، (أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت ورثت رسولالله (ص) أم أهله؟! قال: لا، بل أهله)؛ حيث قال:
«فلا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران، ولا يدلّ على الرضا بذلك» 3.
وقال أيضاً عن الشاشي، في تعقيب ما نقله الترمذي عن بعض مشايخه، (أنَّ معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر: " لا أكلِّمكما " أي: في هذا الميراث):
«إنَّ قرينة قوله: "غضبت "، يدلّ على أنَّها امتنعت من الكلام جملة، وهذا صريح الهجر» 4.
فكلام ابن حجر صريح في إذعانه بأنَّ ما في الصحيح صريح في الهجران، كما أنَّ سكوته عن كلام الشاشي يكشف عن موافقته له.