177وقد تقدّم أنَّ أوهن الوجوه هو حمل الموروث على النبوّة أو العلم؛ لأنَّهما غير قابلين للانتقال، فلا يورَّثان؛ بل النبوّة أمرها بيد الله تعالى بشكل كامل. قال تعالى: وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (القصص: 68)، فلا تُنال بالإرث. والعلم من الأمور الاكتسابيّة، الّتي تحتاج إلى الطلب والجدِّ والاجتهاد، فلا معنى لأن يخشى زكريّا (ع) من الموالي أن يرثوهما.
وقد صرّح بعض علماء السنَّة باستحالة كون الموروث هو النبوّة، حيث حكى القرطبي عن النحّاس قوله:
«فأمَّا قولهم وراثة نبوّة، فمحال؛ لأنَّ النبوّة لاتورَّث، ولو كانت تورَّث، لقال قائل: الناس ينتسبون إلى نوح (ع) ،وهو نبيّ مُرسَل» 1.
وبقيّة الوجوه أوهن من ذينك الوجهين كما تقدّم.
وبعد إبطال كلّ ما قيل من الوجوه في الآية الكريمة، بالدليل الواضح، يبقى القول بأنَّ المراد من الموروث هو المال أقرب الوجوه المتصوّرة، ولا يمكن دفعه بإبداء بعض الاستبعادات الضعيفة، من قبيل ما ذكره ابن كثير والآلوسي في المقام؛ إذ مضافاً إلى أنَّ أقلّ الوجوه يكفي في خروج الكلام عن اللّغويّة، يمكن أن يُذكَر في الباب وجهٌ معقولٌ آخر لتوجيه تخصيص سليمان (ع) بالذكر من دون سائر إخوته - على فرض أنَّ له إخوة - وهو أن يقال:
إنَّ خصوصية إرث سليمان (ع) من داود (ع) هو عدم اقتصاره على المال فقط، وإنَّما ورث ملكه وسلطانه دون سائر إخوته، وبيَّنا سابقاً أنَّ الملك والسلطان
متقوِّمان بالمال.
وحاصل الكلام: إنَّه يتَّضح من خلال ما تقدَّم، أنَّ أيّاً من تلك القرائن المذكورة في الآيتين الكريمتين المتقدِّمتين، لا يكفي لرفع اليد عن المدلول الحقيقي أو المتيقّن من الإرث، وهو المال، فلم تبقَ قرينة صالحة في المقام لصرف الإرث عن مدلوله الحقيقي، أو تعيين أحد المعاني الأُخرى له، إلاّ حديث أبي بكر، كما صرَّح بذلك جماعة من علماء السنّة، من أنَّ الداعي لتأويل تلك الآيات الكريمة