167
المناقشة
إنَّ قرينة (لزوم اللّغْوِيَّة) من أضعف القرائن الّتي تُذكر في المورد لصرف الإرث عن الإرث المالي؛ لأنَّه يمكن الخروج عن اللغويّة وصيانة كلام الحكيم عنها، بإبراز أقلّ الوجوه، وإلّا لورد الإشكال على كثير من الآيات الكريمة، كقوله تعالى: (وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا (النحل: 8)؛ إذ قد يقال: إنَّه لا فائدة من التعليل حينئذ؛ لوضوحه، فمن المعلوم أنَّ هذه الحيوانات تُستعمَل في ذلك، فلابدَّ في رفع الإشكال أن يُقال - مثلاً - بأنَّ المقصود من لِتَرْكَبُوهٰا معنى آخر غير المعنى الّذي يفهم منه.
ومن هنا ذكر مفسّرو السنّة أنَّ الوجه وراء هذا التعليل المذكور في آية الخيل والبغال، هو التنبيه على الفرق بين الحيوانات، وأنَّ بعضها يُؤكَل وبعضها يُركَب 1، فهذا الوجه يكفي في توجيه استعمال (لِتَرْكَبُوهٰا) في الآية الكريمة بمعناها الحقيقي، وإخراج الكلام عن اللغويّة.
ويمكن أن يقال: إنَّ الوجه في مسألة زكريّا (ع) ، هو أنَّه بعد أن ذكر خوفه من الموالي، بيَّن المقصود الأصلي والحاجة الضروريّة لهذا الوليّ الصالح، وهو أن يكون الوارث لِما تحت يده من المال، دون سائر الأمور الأُخرى، من المساعدة والإعانة وما شاكل، فزكريّا (ع) كان بحاجة لهذا الولي لِيرثه، لا ليساعده أو يعينه على أمور دنياه في أواخر عمره الشريف.
وهذا الوجه يكفي لإخراج الإخبار بالإرث عن اللغويّة المزعومة، وهو ليس بأقلّ من الوجه المذكور لإخراج التعليل ب- لِتَرْكَبُوهٰا عن ما قد يُدَّعى من اللغويّة في الآية المتقدِّمة.
القرينة الثالثة: النصوص التاريخية
إنَّ زكريّا (ع) لم تكن له أموال حتّى يحتاج إلى وارث يرثها من بعده، فإنَّ كتب التاريخ الّتي تعرّضت لحال زكريّا (ع) ، أشارت إلى أنَّه كان فقيراً يمتهِن النجارة.