32إخوته في الإيمان، إما بالتأسّي بهم، أو بالأخذ بنصحهم، وليس على المؤمن غضاضة أن يستفيد من أخيه، الأصغر منه سنّاً، أو الأقلّ منه معرفة، ما دام الآخر على الجادّة وناصحاً له، وهذا ما فعله زكريّا (عليه السلام) حيث إنه التفت إلى أمره بعد أن رأى مريم البتول تأكل فاكهة في غير موعدها، فأثاره الموقف، وهو المحكيّ بقوله تعالى: ...كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا الْمِحْرٰابَ وَجَدَ عِنْدَهٰا رِزْقاً قٰالَ يٰا مَرْيَمُ أَنّٰى لَكِ هٰذٰا قٰالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ بِغَيْرِ حِسٰابٍ (آل عمران: 37)، فجاء قوله تعالى: هُنٰالِكَ دَعٰا زَكَرِيّٰا رَبَّهُ... .
الأمر الثاني: إنه (عليه السلام) قد دعاه على كِبَرٍ في سنّه، كما هو ثابت تأريخاً، وقد كان مطلبه فيه شيء من الإعجاز، فهو شيخ كبير، وزوجته كبيرة في السنّ، ممَّا يعني لنا أن المُراد حتّى وإن كان بعيد المنال فلك أن تطلبه من الله تعالى، ما لم يكن مُتعارضاً مع السنن الكونية والشرعية، ولذلك لم يكن طلب زكريا خارجاً عن السنن الإلهية، بدليل الاستجابة له، فدعاء زكريا يُعلّمنا عدم اليأس.
الأمر الثالث: إنّه (عليه السلام) لم يطلب الذرية بوجود مُطلق، وإنَّما حدّد ذلك بالذريّة الطيّبة، وهو دُعاء في غاية العقلانية، فإنَّ الهدف الحقيقي الذي ينبغي أن يسير باتّجاهه الإنسان، هو تحصيل المفقود من الكمال، والارتقاء بكماله الموجود، فإذا كانت الذريّة غير الصالحة تتقاطع مع هذا الهدف السامي فلا معنى لوجودها، ولذلك كان زكريا مُلتفتاً إلى هذه النكتة، فهو لم يطلب أيَّ ذرية، وإنما شخَّص مطلبه بما ينسجم مع هدفه السامي في الارتقاء بكماله، فوصف الذرية بالطيّبة، وهذه الكلمة لها دلالات كثيرة