238(ومن المعلوم أنّ قول نفاة الرؤية «أي البصريّة» والصفات «أي العينيّة» والعلوّ على العرش، والقائلين بأنّ الله لم يتكلّم... ونفيهم ذلك لأنّ إثبات ذلك تجسيم، هو إلى مخالفة الكتاب والسنّة والإجماع السلفي والآثار أقربُ من قول مَنْ أثبت ذلك وقال - مع ذلك - ألفاظ يقول: إنّها توافق معنى الكتاب والسنّة، لا سيّما والنفاة متّفقون على أنّ ظواهر النصوص تجسيم عندهم، وليس عندهم بالنفي نصّ، فهم - أي النافون - معترفون بأنّ قولهم هو البدعة وقول منازعيهم أقربُ إلى السنّة) 1.
وإلى هنا تبيّن للقارئ الكريم بشكلٍ تفصيلي أنّ ابن تيميّة يعتقد بأنّ الله سبحانه جسم، وصفاته أعراض جسميّة، وإذا قال قائل بأنّ نفي الجسميّة بدعة وكذلك إثبات الجسميّة بدعة، فالجواب عنده أنّ بدعة القول بالجسميّة بدعة أخفّ من بدعة القول بنفي الجسميّة، بل هي بدعة حسنة.
ثمّ ينتقل ابن تيميّة إلى خطواته الأخيرة في تأكيده على التجسيم، وإنا وإن كنّا قد نقلنا سابقاً تصريحات وأقوالاً صادرة عنه تشير إلى ذلك، ولكنّنا هنا نودّ أن نبيّن استدلاله على هذه العقيدة من خلال تقسيمه للموجود الأعمّ من كونه واجب الوجود أو ممكن الوجود، أو كونه خالقاً أو مخلوقاً، أو فقيراً أو غنيّاً، فهذا الموجود إمّا هو جسم أو قائم بالجسم، والله تعالى لا يمكن أن يكون قائماً بجسم لأنّه يكون محتاج إلى محلّه، فيثبت أنّه جسم.
يقول في (بيان تلبيس الجهميّة): (ويقولون: «بل قامت القواطع العقليّة على نقيض هذا المطلوب، وأنّ الموجود القائم بنفسه لا يكون إلّا جسماً، وما لا يكون جسماً لا يكون إلّا معدوماً»، ومن المعلوم أنّ هذا أقرب إلى الفطرة