103
الأقوال في مسألة الحدّ
القول الأوّل : أنّ الله سبحانه وتعالى محدود بحَدّ، وأنّه لو لم يُحَدّ لما كان موجوداً.
وفي الاصطلاح الفلسفي: جعل أصحاب هذا القول مساوقة في ذلك لا ملازمةً فقط؛ والمساوقة أعمق فلسفيّاً من الملازمة، لأنّه في الملازمة أحدهما غير الآخر، وفي المساوقة أحدهما عين الآخرمصداقاً؛ فقالوا إنّ الموجوديّة تساوق المحدوديّة له تعالى، لأنّهم لم يتعقّلوا وجوداً ليس له حَدّ، فالموجود يعني المحدود، سواء كان هذا الموجود هو الله تعالى القديم الواجب، أو كان وجود الممكنات الحادثة، وفي اعتقادهم يستحيل أن يكون الله موجوداً وليس له حَدّ ومنتهى وغاية ينتهي عندها.
وهذا ما ذكره الإمام الدارمي أحد أقطاب هذا الاتّجاه في كتابه (ردّ الإمام الدارمي عثمان بن سعيد ...) فقال في باب الحَدّ والعرش:
(قال أبو سعيد: وادّعى المعارض أيضاً - أي الذي ينفي أنّ الله له حَدّ - أنّه ليس لله حَدّ ولا غاية ولا نهاية، وهذا الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته، واشتقّ منه أغلوطاته، وهي كلمة لم يبلغنا أنّه سبق جهماً إليها أحد من العالمين.
فقال له قائل ممّن جاوره: قد علمت مرادك أيّها الأعجميّ، وتعني أنّ الله لا شيء؛ لأنّ الخلق كلّهم علموا أنّه ليس شيء يقع عليه إسم الشيء إلّا وله حَدّ وغاية وصفة. وأن لا شيء ليس له حدّ ولا غاية ولا صفة، فالشيء أبداً موصوف لا محالة، ولا شيء يوصف بلا حَدّ ولا غاية، وقولك «لا حَدّ له» يعني أنّه لا شيء) 1.