201و لهذا المعنىٰ-و اللّٰه أعلم-قال القاضي ابن كج رحمه الله:إذا نذر أن يزور قبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فعندي أنّه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً،و لو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان.
قلت:و ما قاله من القطع بلزوم الوفاء بها هو الحقّ؛لما قدّمناه من الأدلّة الخاصّة عليها،و تردّده في قبر غيره:
يحتمل أن يكون محلّه عند الإطلاق،و سواء لو عيّن أم لا؟تشبيهاً لذلك بزيارة القادمين،و إفشاء السلام،و نحو ذلك ممّا لم يوضع قربة مقصودة و إن كان قربة،و على هذا يكون الأصحّ لزومه بالنذر،كما في تلك المسائل.
و يحتمل أن يكون محلّه عند التعيين،فإنّ زيارة قبر معيّن من غير الأنبياء لا قربة فيها بخصوصها،كما سبق عند الكلام في أغراض الزيارة.
و أمّا إذا نظرنا إلىٰ زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من جهة العموم خاصّة،و اجتماع المعاني التي تقصد بالزيارة فيه،فيظهر أن يقال أيضاً:إنّه يلزم بالنذر قولاً واحداً.
و يحتمل علىٰ بُعْدٍ أن يقال:إنّه كما لو نذر زيارة القادمين و إفشاء السلام، فيجري في لزومها بالنذر ذلك الخلاف،مع كونها قربة في نفسها قبل النذر و بعده.
و قد بان لك بهذا:أنّها تلزم بالنذر،و أنّه علىٰ تقدير أن يقال:«لا تلزم بالنذر»،لا يخرجها ذلك عن كونها قربة.
و من يشترط في المنذور أن يكون ممّا وجب جنسه بالشرع،و يقول:إنّ الاعتكاف كذلك؛لوجوب الوقوف،فقد يقول:إنّ زيارة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وجب جنسها،و هي الهجرة إليه في حياته.
فقد ظهر بهذا:أنّ كلّ ما يلزم بالنذر قربة،و ليس كلّ قربة تلزم،و زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من القرب التي تلزم بالنذر،و لو ثبت عن أحد من العلماء أنّه يقول:«لا تلزم بالنذر»،لم يكن في ذلك ما يقتضي أنّه يقول:إنّها ليست بقربة.