207و نقول: إنّ جعلَ فداء الأسرى هو تعليم عشرة من أطفال المسلمين، ليعتبر أوّل دعوة في التّاريخ لمحو الأمّيّة، سبق الإسلام بها جميع الأمم، و ذلك يعبّر عن مدى اهتمام الإسلام بالعلم في وقت كانت فيه أعظم الدّول كدولة الأكاسرة تمنع بصورة قاطعة من تعليم القراءة و الكتابة لأحد من غير الهيئة الحاكمة، حتّى إنّ أحد التّجار قد عرض أن يقدّم جميع الأموال اللّازمة لحرب أنوشيروان مع قيصر الرّوم على أن يسمح له بتعليم ولده. 1بل لقد كانت بعض الفئات العربيّة تعدّ المعرفة بالكتابة عيباً. 2 و هذا الإسلام قد جاء ليطلق أعدى أعدائه، في أدقّ الظّروف و أخطرها في مقابل تعليمهم لعشرة من غلمان المسلمين.
عودة خيبة و ظفر
رجع المحاربون المشركون إلى مكّة بأسوأ حال من الحنق و الغيظ؛ فنهاهم أبوسفيان عن النّوح على قتلاهم، و منع الشّعراء من ندب القتلى؛ لئلّا يخفّف ذلك من غيظهم، و يقلّل من عداوتهم للمسلمين، و حتّى لا يبلغ المسلمين حزنهم، فيشمتوا بهم.
و حرّم أبوسفيان الطّيب و النّساء على نفسه، حتّى يغزو محمّداً، و كذلك كان موقف زوجته هند، الّتي اعتزلت فراشه و امتنعت عن الطّيب.
و في الجبهة الأخرى، فقد أرسل النّبيّ(ص) يبشّر أهل المدينة بالنّصر المبين، فلم يصدّق البعض ذلك في بادي الأمر، ثمّ تأكّد لديهم أنّه حقّ، ففرح المؤمنون، و استقبلوا الرّسول(ص) فرحين مسرورين.