179تترسّخ حينئذٍ فيما بين هذا المجتمع أواصر 1 المحبّة و التّآخي و التآلّف و يشعر كلّ من أفراده بأنّه في مجتمع يبادله الحبّ و الحَنان، 2 و أنّ له إخواناً يهتّمون به، و يعيشون قضاياه و مشاكله و يمكنه أن يستند إليهم و يعتمد عليهم.
والمسجد هو أجلى و أفضل موضع لتبسيط العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، و تقليل مشاكل التّعامل الرّسمي، و التكلّفات البغيضة، الّتي توحى بوجود فوارق و مميّزات، بل و حدود تفصّل هذا عن ذاك و بالعكس.
و الخلاصة: لقد كان المسجد موضع عبادة و تعلّم و تفهّم لما يفيد في أمور الدّين و الدّنيا، و تربية نفسيّة و خُلقية، و محلّاً للبحث في كلّ المشاكل الّتي تهمّ الفرد و المجتمع، و مكاناً مناسباً للتّعارف و التّآلف بين المسلمين، و مركزاً للقيادة و الرّيادة؛ ففيه كان(ص) يستقبل الوفود، و يبتّ 3 في أمور الحرب و السِّلم، و يفصل الخصومات، و فيه كان يتمّ البحث عن كلّ ما يهمّ الدّولة و شؤونها، و النّاس و معاملاتهم و ارتباطاتهم؛ و فيه كان يجد الضّعيف قوّته، و المهموم المغموم سلوته 4 و الّذي لا عشيرة له ينسى بل يجد فيه عشيرته، والمحروم من العطف و الحَنان بُغيَتَه.
2. المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار
و بعد خمسة أو ثمانية أشهر أو أقلّ أو أكثر 5 - من مقدمه(ص) المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين و الأنصار على الحقّ و المواساة، و كان المسلمون حين المؤاخاة على ما يقولون تسعين رجلاً، منهم خمسة و أربعون رجلاً من