96
سَبَقَ اَلْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ اَلْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ اَلاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ - بِتَشْعِيرِهِ اَلْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ
و قيل: الأعدام تابعة للملكات، و الملكات مصنوعة له، فالأعدام كذلك.
"و الابتداء أزله"
أي أزليته أزلية لا تجتمع مع الابتداء و تنافيه، فكلما جعلت له ابتداء فهو موجود لأزليته قبله، أو أن أزليته سبقت بالعلية كل ابتداء و مبتدإ، "بتشعيره المشاعر" أي بإيجادها و إفاضة وجوداتها و كونها ممكنة موجودة بالإيجاد عرف أنها مخلوقة له فلا يستكمل بها، و لا يكون مناط علمه الذاتي، فلا يكون مشاعر له أو لأنا بعد إفاضة المشاعر علمنا احتياجنا في الإدراك إليها، فحكمنا بتنزهه سبحانه عنها لاستحالة احتياجه تعالى في كماله إلى شيء، أو لما يحكم به العقل من المباينة بين الخالق و المخلوق في الصفات.
و قال ابن ميثم رحمه الله في شرح النهج: لأنه لو كان له مشاعر لكان وجودها له إما من غيره و هو محال، و إما منه و هو أيضا محال، لأنها إن كانت من كمالات ألوهيته كان موجدا لها من حيث هو فاقد كما لا، فكان ناقصا بذاته و هذا محال و إن لم تكن كمالا كان إثباتها له نقصا، لأن الزيادة على الكمال نقصان، فكان إيجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال.
و اعترض عليه بعض الأفاضل بوجوه: أحدها بالنقض لأنه لو تم ما ذكره يلزم أن لا تثبت له تعالى صفة كمالية كالعلم و القدرة و نحوهما، و ثانيها: بالحل باختيار شق آخر، و هو أن يكون ذلك المشعر عين ذاته سبحانه كالعلم و القدرة، و ثالثها:
أن هذا الكلام على تقدير تمامه استدلال برأسه لم يظهر فيه مدخلية قوله عليه السلام بتشعيره المشاعر في نفي المشعر عنه تعالى، و أن ما استعمله لم تثبت به و قد ثبتت بغيره ثم قال: فالأولى أن يقال قد تقرر أن الطبيعة الواحدة لا يمكن أن يكون بعض أفرادها علة لبعض آخر لذاته، لأنه لو فرض كون نار مثلا علة لنار فعلية هذه و معلوليته تلك إما لنفس كونهما نارا فلا رجحان لأحدهما في العلية، و للأخرى في المعلولية، بل يلزم أن يكون كل نار علة للأخرى، بل علة لذاتها و معلولا لذاتها،