45
فَقَالَ اَلرَّجُلُ فَكَيْفَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا سَمِيعاً فَقَالَ لِأَنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَسْمَاعِ وَ لَمْ نَصِفْهُ بِالسَّمْعِ اَلْمَعْقُولِ فِي اَلرَّأْسِ وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ بَصِيراً لِأَنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَبْصَارِ مِنْ لَوْنٍ أَوْ شَخْصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَ لَمْ نَصِفْهُ بِبَصَرِ لَحْظَةِ اَلْعَيْنِ وَ كَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ لَطِيفاً لِعِلْمِهِ بِالشَّيْءِ اَللَّطِيفِ مِثْلِ اَلْبَعُوضَةِ وَ أَخْفَى مِنْ ذَلِكَ وَ مَوْضِعِ
جهة تجسمنا و إمكاننا و نقصنا، و أيضا ليس علمنا من ذاتنا لعجزنا و علمنا حادث لحدوثنا، و ليس علمنا محيطا بحقائق ما نسمعه كما هي، لقصورنا عن الإحاطة، و كل هذه نقائص شابت ذلك الكمال، فلذا أثبتنا له سبحانه ما هو الكمال، و هو أصل العلم و نفينا عنه جميع تلك الجهات التي هي سمات النقص و العجز، و لما كان علمه سبحانه غير متصور لنا بالكنه، و رأينا الجهل فينا نقصا فنفيناه عنه، فكأنا لم نتصور من علمه تعالى إلا عدم الجهل، فإثباتنا العلم له تعالى إنما يرجع إلى نفي الجهل، لأنا لم نتصور علمه تعالى إلا بهذا الوجه، و إذا وفيت في ذلك حق النظر وجدته نافيا لما يدعيه القائلون بالاشتراك اللفظي في الوجود و سائر الصفات لا مثبتا له، و قد عرفت أن الأخبار الدالة على نفي التعطيل ينفي هذا القول.
قوله عليه السلام: بالسمع المعقول في الرأس،
أي الذي نتعقله في الرأس و نحكم بأنه فيه، و اللطيف قد يكون بمعنى رقيق القوام أو عديم اللون من الأجسام أو صغير الجسم، و فيه سبحانه لا يتصور هذه الأمور لكونها من لوازم الأجسام، فقد يراد به التجرد مجازا أو بمعنى لطيف الصنعة أو العالم بلطائف الأمور كما فسر به في هذا الخبر.
و موضع النشو منها،
أي المواد التي جعلها في أبدانها و بها ينمو و موضع نمو كل عضو و قدر نموها بحيث لا يخرج عن التناسب الطبيعي بين الأعضاء، و النشوء بالهمزة: النمو، و ربما يقرأ بكسر النون و الواو خبرا بمعنى شم الريح، جمع نشوة أي يعلم محل القوة الشامة منها، و في التوحيد: موضع الشبق أي شهوة الجماع، و في الاحتجاج: موضع المشي و العقل، أي موضع قواها المدركة، و الحدب محركة التعطف، و يمكن عطفه على موضع النشو و على النشو.