35
أَنَّهُ عَرَفَهُ بِغَيْرِهِ وَ إِنَّمَا عَرَفَ اَللَّهَ مَنْ عَرَفَهُ بِاللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِهِ فَلَيْسَ يَعْرِفُهُ إِنَّمَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ لَيْسَ بَيْنَ اَلْخَالِقِ وَ اَلْمَخْلُوقِ شَيْءٌ وَ اَللَّهُ خَالِقُ اَلْأَشْيَاءِ لاَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ
أقول: لا يخفى أن هذا الوجه و ما أوردته سابقا من الاحتمالات التي سمحت بها قريحتي القاصرة لا يخلو كل منها من تكلف، و قد قيل فيه وجوه أخر أعرضت عنها صفحا، لعدم موافقتها لأصولنا، و الأظهر عندي أن هذا الخبر موافق لما مر، و سيأتي في كتاب العدل أيضا من أن المعرفة من صنعه تعالى و ليس للعباد فيها صنع، و أنه تعالى يهبها لمن طلبها و لم يقصر فيما يوجب استحقاق إفاضتها، و القول بأن غيره تعالى يقدر على ذلك نوع من الشرك في ربوبيته و إلهيته، فإن التوحيد الخالص هو أن يعلم أنه تعالى مفيض جميع العلوم و الخيرات، و المعارف و السعادات كما قال تعالى:
" مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ 1"فالمراد بالحجاب إما أئمة الضلال و علماء السوء الذين يدعون أنهم يعرفونه تعالى بعقولهم و لا يرجعون في ذلك إلى حجج الله تعالى، فإنهم حجب يحجبون الخلق عن معرفته و عبادته تعالى، فالمعنى أنه تعالى إنما يعرف بما عرف نفسه للناس لا بأفكارهم و عقولهم، أو أئمة الحق أيضا فإنه ليس شأنهم إلا بيان الحق للناس فأما إفاضة المعرفة و الإيصال إلى البغية فليس إلا من الحق تعالى كما قال سبحانه: " إِنَّكَ لاٰ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ 2"و يجري في الصورة و المثال ما مر من الاحتمالات، ف
قوله عليه السلام: ليس بين الخالق و المخلوق شيء،
أي ليس بينه تعالى و بين خلقه حقيقة أو مادة مشتركة حتى يمكنهم معرفته من تلك الجهة، بل أوجدهم لا من شيء كان، و يؤيد هذا المعنى ما ذكره في التوحيد تتمة لهذا الخبر: "و الأسماء غيره و الموصوف غير الواصف، فمن زعم أنه يؤمن بما لا يعرف فهو ضال عن المعرفة، لا يدرك مخلوق شيئا إلا بالله، و لا يدرك معرفة الله إلا بالله، و الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه، و إذا أراد شيئا كان كما أراد بأمره من غير نطق، لا ملجأ لعباده مما قضى، و لا حجة لهم فيما ارتضى