240
. . . . . . . . . .
الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا. ثم أقول:
هيهنا دقيقة أخرى و هي أنه يستفاد من قوله تعالى: " وَ هَدَيْنٰاهُ اَلنَّجْدَيْنِ 1"أي نجد الخير و نجد الشر، و من نظائره من الآيات و الروايات، و من قوله تعالى: " أَنَّ اَللّٰهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ 2"و من نظائره من الآيات و الروايات أن تصوير النجدين و تمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى، و أنه تعالى قد يحول بين المرء و بين أن يميل إلى الباطل، و قد لا يحول و يخلي بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و ذلك نوع من غضبه، و يتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير و نجد الشر، فهذا معنى كونه تعالى هاديا و مضلا، و بالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا، و في أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف و العمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه، و إن عزم على إخفائها و إظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه و يخلي بينه و بين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية، و هذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده"انتهى".
و قال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى: " يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ 3"على مذهبهم الفاسد: هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية و الضلالة، و حاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة و الإرشاد نحو" إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ 4"و بمعنى التوفيق نحو" وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً 5" و بمعنى الثواب نحو" إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمٰانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهٰارُ 6"و بمعنى الفوز و النجاة نحو" لَوْ هَدٰانَا اَللّٰهُ لَهَدَيْنٰاكُمْ 7"