232
. . . . . . . . . .
و يؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام اختلف الناس جعلت فداك بالعراق في المعرفة و الجحود، فأخبرني جعلت فداك أ هما مخلوقان؟ فكتب عليه السلام: اعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عز و جل في القلب مخلوقة، و الجحود صنع الله في القلب مخلوق، و ليس للعباد فيهما من صنع، فلهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الإيمان اختاروا المعرفة، فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، و بشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا، و ذلك بتوفيق الله لهم و خذلان من خذله الله، فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و أثابهم، إلى آخر الخبر.
إذ ظاهره أن المفيض للمعارف هو الرب تعالى، و للنظر و التفكر و الطلب مدخل فيها، و إنما يثابون و يعاقبون بفعل تلك المبادئ و تركها، و يحتمل أن يكون المعنى أن المعرفة ليست إلا من قبله تعالى، إما بإلقائها في قلوبهم أو ببيان الأنبياء و الحجج عليهم السلام، و إنما كلف العباد بقبول ذلك و إقرارهم به ظاهرا و تخلية النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبية و العناد، و عما يوجب الحرمان عن الحق من تقليد أهل الفساد، فهذا هو المراد بالاختيار من الاكتساب، ثم بين عليه السلام أن لتوفيق الله و خذلانه أيضا مدخلا في ذلك الاكتساب أيضا كما مر تحقيقه.
الثاني: أن يخص بمعرفة الخالق و الإقرار بوجوده سبحانه، فإنها فطرية كما عرفت، و روي في قرب الإسناد من معاوية بن حكيم عن البزنطي قال: قلت للرضا عليه السلام: للناس في المعرفة صنع؟ قال: لا، قلت: لهم عليها ثواب؟ قال: يتطول عليهم بالثواب كما يتطول عليهم بالمعرفة، و روي في المحاسن بسند صحيح عن صفوان قال: قلت للعبد الصالح: هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة؟ قال: لا، إنما هو تطول من الله، قلت: أ فلهم على المعرفة ثواب إذا كان ليس لهم فيها ما يتعاطونه بمنزلة الركوع و السجود الذي أمروا به ففعلوه؟ قال: لا إنما هو تطول من الله عليهم