230
. . . . . . . . . .
أو يفعله السبب الموجب لإحساس المحسوس، و حصول العلم به، و أما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره و هو غير متعمد لسماعة أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالألم عند إيلامه و ما أشبه ذلك، و هذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد و مخالف فيه من سميناه"انتهى".
و أقول: الغرض من إيراد هذه الوجوه أن تطلع على مذاهب القوم في ذلك، و إن كان للنظر فيها مجال واسع، و لنتكلم على الخبر فنقول: قد عرفت الوجوه التي يمكن حمل أمثال هذا الخبر عليه، و لنعد بعضها:
الأول: أنه يصح على القول بأن جميع العلوم و المعارف فائضة من قبل الله سبحانه بحسب استعدادات العباد و قابلياتهم إما بلا واسطة أو بتوسط الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام، و إنما الواجب على الخلق أن يخلو أنفسهم عن الأغراض الدنية و الحمية و العصبية، و يصيروا طالبين للحق ثم بعد إفاضة الحق عليهم أن يقروا بها ظاهرا و لا ينكروا و لا يكونوا كالذين قال الله سبحانه فيهم: " جَحَدُوا بِهٰا وَ اِسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ 1".
قال المحقق الطوسي روح الله روحه القدوسي: و لا بد فيه أي في العلم من الاستعداد، أما الضروري فبالحواس، و أما الكسبي فبالأول، و قال العلامة رفع الله مقامه في شرحه: قد بينا أن العلم أما ضروري و إما كسبي، و كلاهما حصل بعد عدمه، إذ الفطرة البشرية خلقت أولا عارية عن العلوم، ثم يحصل لها العلم بقسميه فلا بد من استعداد سابق مغاير للنفس، و فاعل للعلم، فالضروري فاعله هو الله تعالى إذ القابل لا يخرج المقبول من القوة إلى الفعل بذاته، و إلا لم ينفك عنه، و للقبول درجات مختلفة في القرب و البعد، و إنما يستعد النفس للقبول على التدريج فينتقل من أقصى مراتب البعد إلى أدناها قليلا قليلا لأجل المعدات التي هي الإحساس بالحواس على اختلافها، و التمرن عليها و تكرارها مرة بعد أخرى، فيتم الاستعداد