229
. . . . . . . . . .
للوجوب، و لما نزل: " إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلاٰفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ 1"قال النبي صلى الله عليه و آله: ويل لمن لاكها بين لحيتيه و لم يتفكر فيها، فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة، فيكون واجبا، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب أقول: قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المقالات: المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه عليهم السلام و كل غائب، و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء مما ذكرناه و هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة، و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب الحديث، و قال في موضع آخر منه: العلم بالله عز و جل و أنبيائه عليهم السلام و بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شيء لا تدرك حقيقته بالحواس، و لا تكون المعرفة به قائمة في البداهة و إنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار، و لا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة الاكتساب، كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس، و لا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في البداهة.
ثم قال رحمه الله: العلم بصحة جميع الأخبار طريقه الاستدلال و هو حاصل من جهة الاكتساب، و لا يصح وقوع شيء منه بالاضطرار، و القول فيه كالقول في جملة الغائبات، و إلى هذا القول ذهب جمهور البغداديين و يخالف فيه البصريون و المشبهة و أهل الأخبار، و أما العلم بالحواس فهو على ثلاثة أضرب، فضرب هو من فعل الله تعالى، و ضرب من فعل الحاس، و ضرب من فعل غيره من العباد، فأما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله، كعلمه بصوت الرعد و لون البرق و وجود الحر و البرد و أصوات الرياح و ما أشبه ذلك مما يبده ذو الحاسة من غير أن يتعمد لإحساسه، و يكون بسبب من الله سبحانه، ليس للعباد فيه اختيار، فأما فعل الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الإصغاء بإذنه أو التعمد لإحساسه بشيء من حواسه