228
. . . . . . . . . .
النظر في معرفة الله تعالى، بل إجماع الأمة عليه، و إنما اختلفوا في أن وجوبها عقلي أو شرعي و نسب إلى البراهمة أنها تحصل بالإلهام، و إلى الملاحدة أنها تحصل بالتعليم، و إلى المتصوفة أنها تحصل بتصفية الباطن و الرياضات، و ربما يقال: إن النظر في معرفة الله تعالى و صفاته و أفعاله و العقائد الدينية على ما تفعله المتكلمون بدعة في الدين، لم ينقل عن النبي صلى الله عليه و آله و الصحابة و الخلفاء الراشدين، و لو كانوا قد اشتغلوا بها لنقل إلينا لتوفر الدواعي على نقله كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهية على اختلاف أصنافها، و أجيب بمنع عدم النقل بل تواتر أنهم كانوا يبحثون عن دلائل التوحيد و ما يتعلق به، و القرآن مملوء منه، و هل ما يذكر في كتب الكلام إلا قطرة من بحر مما نطق به الكتاب الكريم؟ نعم أنهم لم يدونوها و لم يشتغلوا بتقرير المذاهب و تحرير الاصطلاحات، و لم يبالغوا في تفصيل الأسئلة و تلخيص الجوابات لاختصاصهم بصفاء النفوس و قوة الأذهان، و مشاهدة الوحي المقتضية لفيضان أنوار العرفان، و التمكن من مراجعة من يفيدهم و يدفع عنهم ما عسى أن يعرض لهم من الشكوك و الشبهات في كل حين، مع قلة عناد المعاندين و ندرة تشكيك المشككين، بخلاف زمان من بعدهم إلى زماننا هذا، حيث كثرت المذاهب و المقالات، و شاعت المنازعات و المجادلات، فاجتمع بالتدريج لأهل الأعصار التالية جميع ما حدث في الأزمان و القرون الخالية، فاحتيج إلى تدوين مسائل الكلام و تقرير كل ما أورد على كل حجة من النقض و الإبرام.
قالوا: فإن ادعى أن هذا التدوين بدعة فرب بدعة حسنة، و ذلك بعينه كالاشتغال بتدوين الفقه و أصوله، و ترتيب أبوابه و فصوله، فإنه حدث بعد ما لم يكن فكما ليس ذلك بقادح في الفقه ليس هذا بضائر للكلام، و قد أمر الله سبحانه بالنظر في آيات كثيرة كقوله تعالى: " قُلِ اُنْظُرُوا مٰا ذٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ 1"و قوله تعالى: " فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اَللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا 2"فأمر بالنظر و هو