207
. . . . . . . . . .
زعم أن الله عز و جل فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، و القائل بالتفويض مشرك، فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، و ترك ما نهوا عنه، فقلت له: فهل لله عز و جل مشية و إرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله و مشيته فيها الأمر بها و الرضا لها، و المعاونة عليها، و إرادته و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط لها و الخذلان عليها، قلت: فلله عز و جل فيها القضاء؟ قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير و شر إلا و لله فيه قضاء، قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة.
التاسع: ما ظهر لنا من الأخبار المعتبرة المأثورة عن الصادقين عليهم السلام، و هو أن الجبر المنفي قول الأشاعرة و الجبرية كما عرفت، و التفويض المنفي هو قول المعتزلة إنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على أعمالهم و فوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم، و ليس لله سبحانه في أعمالهم صنع.
و أما الأمر بين الأمرين فهو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعالهم بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار، كما أن لخذلانه سبحانه مدخلا في فعل المعاصي و ترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهي إلى حد لا يقدر معه على الفعل أو الترك، و هذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة، و هو مثل أن يأمر السيد عبده بشيء يقدر على فعله و فهمه ذلك، و وعده على فعله شيئا من الثواب و على تركه قدرا من العقاب، فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك، لم يكن لوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، و لا ينسب عندهم إلى الظلم، و لا يقول عاقل أنه أجبره على ترك الفعل، و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه، و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه و يحذره على الترك، ثم فعل ذلك الفعل بقدرته و اختياره فلا