191
. . . . . . . . . .
و استدل المثبتون عليه بأن اللطف مما يتوقف عليه غرض المكلف من المكلف و كل ما يتوقف عليه الغرض يكون واجبا، أما الأولى فظاهر، لأن غرض المكلف من المكلف إيقاعه ما كلف به، و هو يتوقف على كل ما يقر به إلى فعله و يبعده عن تركه، و أما الثانية فلأن المريد من غيره فعلا من الأفعال إذا علم المريد أن المراد منه لا يفعل الفعل المطلوب إلا بفعل يفعله المريد مع المراد منه من نوع ملاطفة أو مكاتبة أو سعى إليه أو إرسال من غير مشقة عليه في ذلك لو لم يفعل ما يتوقف عليه إيقاع ذلك الفعل منه، مع تصميم إرادته إيقاعه منه، لكان هذا المريد ناقضا لغرضه عند العقلاء، و نقض الغرض قبيح لذم العقلاء على ذلك، و إذا أردنا تمشية هذا التقرير في حقه سبحانه، قلنا: إنه كلف العباد بالأوامر و النواهي فكان غرضه من التكليف المذكور إيقاع الطاعة و ارتفاع المعصية من المكلفين، فإذا علم أنهم لا يفعلون ذلك إلا بفعل يفعله بهم بحيث يحصل به تقريبهم إلى إيقاع ذلك منهم، لو لم يفعل ذلك مع توقف غرضه عليه كان ناقضا لغرضه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فوجب في حكمته تعالى و عنايته فعل الألطاف المقربة للمكلفين إلى فعل الطاعات المبعدة لهم عن المعاصي و هو المطلوب.
ثم إن هذه الألطاف تكون من فعله تعالى خاصة كإرسال الرسل و نصب الأئمة و إظهار المعجزات على أيدي الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام، فيجب عليه فعل ذلك، و قد يكون من فعل المكلفين كأتباعهم الرسل و طاعتهم الأئمة و امتثالهم لأوامرهم، و الانتهاء عند نواهيهم فيجب عليه إعلامهم بذلك و إيجابه عليهم ليتم الامتثال و يحصل القول، و يستكمل الألطاف، و قد يكون من فعل غيرهما كقبول الرسل للرسالة، و تحمل الإمام للإمامة، و قيامهما بأعبائهما، فيجب عليه في ذلك الإيجاب على ذلك الغير و إثابته عليه، لأن تكليف شخص لنفع غيره من غير نفع له قبيح عقلا.
أقول: هذا هو اللطف الذي أوجبه أصحابنا، و يشكل الجزم بوجوب كل لطف