131
. . . . . . . . . .
و إخباراتها و إنشاءاتها، بحيث لا يشذ عنها شيء منتقشة في اللوح، و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات، و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب.
الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في جواب مسائل أهل الري، و هو أنه قال: المراد بالبداء النسخ، و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي.
أقول: هذا ما قيل في هذا الباب، و قد قيل فيه وجوه أخر لا طائل في إيرادها و الوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء، و بينهما كما بين الأرض و السماء و بعضها مبتنية على مقدمات لم تثبت في الدين، بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين و كلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه، و تفصيل القول في كل منها يفضي إلى الإطناب، و لنذكر ما ظهر لنا من الآيات و الأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة، و لا تأبى عنه العقول الصحيحة.
فنقول و بالله التوفيق: إنهم عليهم السلام إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين يقولون إن الله قد فرغ من الأمر، و على النظام، و بعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، و التقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها و وجودها، و إنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة، و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول و النفوس الفلكية، و بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، و ينسبون الحوادث إلى هؤلاء، و على آخرين منهم قالوا: إن الله سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة دهرية لا ترتب فيها باعتبار الصدور، بل إنما ترتبها في الزمان فقط، كما أنه لا تترتب