132
. . . . . . . . . .
الأجسام المجتمعة زمانا و إنما ترتبها في المكان فقط، فنفوا عليهم السلام كل ذلك و أثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شيء و إحداث آخر و إماتة شخص و إحياء آخر إلى غير ذلك لئلا يترك العباد التضرع إلى الله و مسألته و طاعته و التقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم و عقباهم، و ليرجوا عند التصدق على الفقراء و صلة الأرحام و بر الوالدين و المعروف و الإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر و زيادة الرزق و غير ذلك.
ثم اعلم أن الآيات و الأخبار تدل على أن الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات: أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا، و هو مطابق لعلمه تعالى، و الآخر لوح المحو و الإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب، مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة و معناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره، فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون، و إذا قطعها يكتب مكانه أربعون، و في اللوح المحفوظ أنه يصل و عمره ستون، كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة، فإذا شرب سما و مات أو قتله إنسان فنقص من ذلك، أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب، و التغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء، إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء و الاستهزاء و السخرية و أمثالها، أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا.
و أي استبعاد في تحقق هذين اللوحين؟ و أية استحالة في هذا المحو و الإثبات حتى يحتاج إلى التأويل و التكلف. و إن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها، مع أن الحكم فيه ظاهرة.
منها: أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح و المطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة.