292وأمّا الصنف الثالث: «الجمود والانغلاق»، فهذه هي «الطامّة الكبرى» ولعلّ هذا الصنف أخطر من سابقيه؛ لأنّنا نستطيع أن نميّزهما ونشخّصهما؛ لأنّ الجاهل والمنكر للحقائق أمرهما واضح ومكشوف، وأمّا الجمود الفكري، فمن يمثّل هذا الفكر يدّعي أنّه هو الإسلام الصحيح، وينقل الأدلّة من الكتاب والسنّة، كما تقدّم في بحثه «المهدويّة والغيبة» حيث صوّر الدكتور القفاري هذه الفكرة بأنّها أُسطورة وخرافة، وبثّ كثيراً من الشبهات كما تقدّم في ثنايا البحث، بحيث ألبس وشبّه الأمر على الناس بأدلّة يدّعي أنّها من الكتاب والسنّة. ثمّ أسّس على هذا الأمر تكفيره ورميه لطوائف المسلمين، كما تقدّم في البحوث التمهيديّة، حيث قال:
«وقد تبيّن أنّهم كفرة ليسوا من الإسلام في شيء...»، أو قوله نقلاً عن شيخه ابن تيميّة: «كثيراً من أئمّة الرافضة وعامّتهم زنادقة وملاحدة ليس لهم غرض في العلم ولافي الدين»، فهو يرى أنّه الممثّل الصحيح للإسلام، والآخرين كفرة وملاحدة وزنادقة.
في حين أنّ نتاج هذه المفاهيم هو الجمود الفكري؛ لأنّهم يفسّرون ويأوّلون الحقائق العلميّة بغير علم، بل نجدها تناقض قواعد الإسلام، فتصدر الفتاوى وتصنّف الناس بالشرك والكفر والفسق والمبتدع وهلم جرّا..، فأورث لنا ذلك القتل للآخرين والاتّهام لأدنى شبهة.
وخير مثال ما نجده اليوم من قتل للأبرياء نتيجة الفتاوى التي تبيح ذلك من دون تمييز؛ لأنّها أُسّست على ذلك النتاج الفكري.
بل وصل الأمر إلى أنّ كلّ من يخالفهم في الفكر (حتّى لو كان من أبناء جلدتهم) فهو لا يخلو إلاّ أن يكون مشركاً، أو كافراً، أو فاسقاً، وبذلك يباح دمه وعرضه، فالحقد والكره للآخرين هو نتيجة ما قدّمناه من المحاور الثلاثة.