198الأدب أكثر فأكثر في المساجد ذات الحرمة الخاصّة، و بالأخص في حريم الكعبة التي هي أصل المساجد كافة، و التي تسند إلي الله تعالي بالإسناد التشريفي، حيث لميسند أيّ بيت إليه غيرها، حين قال: (بَيْتِيَ). 1
ينقل أهل المعرفة عند بيانهم لبعض أسرار الحج، قصصاً قد لاتكون لها واقعية و حقيقة خارجية، إلاّ أن روحها وجوهرها حقّ، ومن ذلك ما قيل عن أحد أهل القلوب، أنّه دخل علي أحد الزعماء بلباس عتيقة متسخة فقالوا له: أتدخل بهذا اللباس علي شخص بهذا المقام والمنزلة؟ فأجاب: إنّ الحضور أمام الكبار بلباس متسخة ليس عيباً، إنما العيب لو عاد شخصٌ من عند هذا الكبير بلباس بالية قذرة، ذلك أن هذا يعني أنه لم يره لائقاً بل ردّه، ولم يمنحه من عطاياه وهداياه شيئاً.
إنّ مقصود قاصّ هذه القصّة أنّ المشكلة ليست في الحضور بين يدي الله تبارك و تعالي محمّلين بالذّنوب، مادّين له أيدينا الخاطئة، إنّما العود من محضره سبحانه غير مقبولين لديه، و لا مغفوري الذنوب، بل ملطّخين بالآثام لما فعلناه في سالف الأيام.
كذلك قالوا: دخل عارفٌ علي صاحب منصب و مكانة، فسألوه: ما الّذي أتيت به؟ فأجاب: لايسأل القادم علي العظيم: ماذا حملت معك؟ و إنّما يسأل: ما الذي تريد؟ فلو كان لديه شيء لم يأت إليه.
لا يمكن لأحد أنيقول: لقد أتيتُ إلي الله تعالي مليئاً بالعلم و العمل، ممتلئةً جعبتي بالعمل و الجهد، لأنّ ذلك كلّه ملك له، قال سبحانه: (وَ مٰا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ) 2، فلايذهب أحد إلي المحضر الإلهي بيد ممتلئة، من هنا لايسأل الذاهب إلي