108والمسجد الحرام إلي جوار الكعبة، فيكون من هذه الناحية مورد توجّه المسلمين في الصلاة، كما أنّ مكّة امّ القري، بمعني أنّها من الناحية المادّية أصل المدن كافّة وكذا القري، كما أنّها من الناحية المعنوية كذلك، ومسألة القبلة من هذا القبيل.
وعلي أيّة حال، فقد بُيّن في ذيل الآية الشريفة المذكورة وظيفة أهل المسجد حيث جاء: فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وإذا ما صار شخص طاهراً صار محبوباً لله تعالي، وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ، وإذا ما صار محبوباً لله صار مجري فيض الحقّ، ويجري الله في مقام العمل والفعل أعماله علي يديه.
يقول الله تعالي بصراحة حول الكعبة أنّها بُنيت علي الطهارة: أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ ، ومع الالتفات إلي هذا الأمر من تعليق الحكم علي الوصف مشعر بالعلّية، يستفاد من الآية أنّ المصلّين غير الطاهرين يجب في الحقيقة ألاّ يتّجهوا إلي الكعبة، وكذلك الطائفون لا يطوفون بها، بمعني أنّهم لايصلّون ولا يطوفون الصلاة والطواف الحقيقيّين، ذلك أنّه لا يمكن نيل سرّ وحقيقة بيت الله دون طهارة، كما أنّه لا يمكن الحصول علي معارف من القرآن دونها.
وكما أنّ القرآن الكريم مرآة صافية لا يري الناظر فيها إلاّ جماله أو قبحه، كذلك الكعبة مرآة لا غبار عليها يري فيها الناظر وجهه الجميل أو البشع، من هنا فغير الطاهرين الذين تلوّثوا برجس الشرك ولوث الطغيان والتمرّد، لن يتمكّنوا من إدراك الكعبة بوصفها بيت الله المنزّه عن الحلول في المكان والمبرّأ عن الحصر في الزمان، والمقدّس عن الحاجة، والمسبّح عن الفقر والفاقة لأحد أو شيء، ولن يستطيعوا النجاح في الصلاة في حريمها؛ من هنا وصف الله عبادتهم في أطهر بقع العبادة بأنّه صفير وتصفيق، حيث قال: وَ مٰا كٰانَ صَلاٰتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّٰ مُكٰاءً وَ تَصْدِيَةً 1، وسوف نبيّن عند الحديث عن