103حامياً للكعبة، ولعمرانها الصوري والمعنوي، وهذا الفريق - غير أنصار إبراهيم في عصره - هم الرسول الأكرم(ص) والمؤمنون الأصيلون الخالصون الذين لا ينتمون إلي اليهوديّة ولا إلي الانحراف، وإنّما إلي الاعتدال في العقيدة والخلق والعمل الصالح، وهم غير مبتلين بالشرك الاعتقادي ولا الأخلاقي ولا العملي.
وانطلاقاً من أنّ الأثر مظهرٌ للمؤثّر وأوصافه لها أثر فيه، نلاحظ كيف قام مسجد قبا علي أساس التقوي والرضوان الإلهي، فيما أُسّس مسجد ضرار علي أساس الشرك والجرف الهار الذي ينهار به في نار جهنّم. 1
وعلي أيّة حال، فالكعبة بهذه الهندسة الإلهيّة موضوع ومتعلّق للكثير من الأحكام والفروع الفقهيّة، ومن بينها الحجّ، وكلّها تدور حول الأخلاق الصحيحة، وترتهنّ تلك الأخلاق الصحيحة بالعقيدة السالمة التوحيديّة، وكما كان التوحيد شجرة طوبي والتقوي ثمرة من ثمارها، كذلك الكعبة بُنيت علي أساس التوحيد الخالص المنزّه عن مختلف أشكال الشرك، فكانت أصلاً لكافّة الأبنية المؤسّسة علي التقوي، ومن بينها بناء مسجد قبا المقام علي التقوي، حيث كان فرعاً من فروع هذا الأصل، وثمرةً من بذوره.
ومن نماذج هذا التجلّي للتوحيد الخالص عند الموحّدين الحقيقيّين ما نقل من أنّه: «قيل للزهري: من أزهد الناس في الدُّنيا؟ قال: عليّ بن الحسين(ع) حيث كان، وقد قيل له - فيما بينه وبين محمّد بن الحنفيّة من المنازعة في صدقات عليّ بن أبي طالب(ع) -: لو ركبت إلي الوليد بن عبد الملك ركبة لكشف عنك من عزر شرّه وميله عليك بمحمّد فإنّ بينه وبيني خلّة، قال: وكان هو بمكّة والوليد بها، فقال: ويحك أفي حرمالله أسأل غير الله عزّ وجلّ؛ إنّي آنف إذ أسأل الدُّنيا خالقها، فكيف أسألُ مخلوقاً