58إنّ أصحاب الأهواء في كلّ زمان حتّى في عصر الرسالة ، كانوا يقترحون على النبيّ الأكرم أن يغيّر دينه ، ويأتي بقرآن غير هذا ، لكي يكون مطابقاً لما تستهويه أنفسهم ، فأمر اللّٰه سبحانه أن يردّ اقتراحهم بقوله : «قُلْ مٰا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقٰاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّٰ مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخٰافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » 1.
وكان في عصر الرسالة من يتقدّم على اللّٰه ورسوله ، لا مشياً وإنّما يقدّم رأيه على الوحي فنزل الوحي مندِّداً بهم وقال : «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » 2.
والكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللّٰهُ عليها النار ، والبدعة من أفحش الكذب؛ لأنّها افتراء على اللّٰه ورسوله ، قال سبحانه : «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيٰاتِهِ إِنَّهُ لاٰ يُفْلِحُ الظّٰالِمُونَ » 3. فالمبتدع يَظهر بزيّ المحق عند المسلمين؛ فيفتري على اللّٰه تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم .
ومن المسلّم به أنّ للّٰهفي كلّ واقعة حكماً إلٰهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر الى يوم القيامة ، فاذا حكم الحاكم وِفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق ، إلّا أنّ المبتدع يحكم على خلاف ذلك الحق ، لذلك يصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ، قال تعالى : «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ » وقال عزّ من قائل : «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ » وقال تعالى : «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ» 4.