58الكلام في تطوير الشبهة،و لا يسع المقام لنقل عباراتهم كلها،و إنّما نشير إلى المهم من كلماتهم.
و بما أن الأساس لكلام هؤلاء هو ابن حزم الظاهري نذكر نصّ كلامه أوّلاً.
قال:إنّ الادراك في اللغة يفيد معنى زائداً عن النظر،و هو بمعنى الإحاطة،و ليس هذا المعنىٰ في النظر و الرؤية،فالادراك(الاحاطة) فيض عن اللّٰه تعالى على كلّ حال في الدنيا و الآخرة،و الدليل على ذلك قوله سبحانه: «فَلَمّٰا تَرٰاءَا الْجَمْعٰانِ قٰالَ أَصْحٰابُ مُوسىٰ إِنّٰا لَمُدْرَكُونَ قٰالَ كَلاّٰ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ » ،ففرّق اللّٰه عزّ و جلّ بين الإدراك و الرؤية فرقاً جليّاً،لأنه تعالى أثبت الرؤية بقوله: «فَلَمّٰا تَرٰاءَا الْجَمْعٰانِ» ،و أخبر تعالى بأنه رأىٰ بعضهم بعضاً فصحت منهم الرؤية لبني اسرائيل،و لكن نفى اللّٰه الإدراك بقول موسى عليه السلام لهم: «كَلاّٰ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ» ،فأخبر تعالى أنه رأىٰ أصحاب فرعون بني اسرائيل و لم يدركوهم،و لا شكّ في أنّ ما نفاه اللّٰه تعالى غير الذي أثبته،فالادراك غير الرؤية و الحجّة لقولنا قول اللّٰه تعالى 1.
يلاحظ عليه: أن الشبهة تعرب عن أنّ صاحبها لم يقف على كيفية الاستدلال بالآية على نفي الرؤية،فزعم أن أساسه هو كون الادراك في اللغة بمعنى الرؤية،فردّ عليه بأنه ليس بمعنى الرؤية،بشهادة أنه سبحانه جمع في الآية بين اثبات الرؤية و نفي الدرك،و لكنه غفل عن أن مبدأ الاستدلال ليس ذلك،و قد قلنا سابقاً:إنّ الادراك في اللغة بمعنى اللحوق و الوصول و ليس بمعنى الرؤية ابتداءً،و إنما يتعيّن في النظر و الرؤية