18لوضوح أخذهم اللفظ المعرَّف في اللفظ المعرِّف. فيقال عندئذٍ: إنَّ الفرد إمَّا أن يكون عالماً بالمعنى قبل هذا التعريف أو لا. فإن كان عالماً به استغنى عن التعريف. و إن لم يكن عالماً به-كما هو المفروض-لم يفد شيئاً جديداً لتكرر المفهوم نفسه في التعريف. كما يقول الشاعر: و فسّر الماء بعد الجهد بالماء.
و هذا الإشكال لا مناص منه من الناحية المنطقية. إلاّ أنَّ الذي يهوّن الخطب أنَّ اللغويين لا يتكلمون بلغة المنطق لإيجاد الحدّ و الرسم، و إنما لمجرد التفهم و هو حاصل.
و بتعبير أدق: إنَّهم يحوّلون القاري على مفهوم ارتكازي عقلي، موجود لديه سلفاً، ناشئ من الارتكازات و الاستعمالات اللغوية. كلّ ما في الأمر أنَّ اللغوي وظيفته جعل القاري يلتفت إليه و تذكيره به. حتى و إن كان بالطريقة الخاطئة منطقيّاً. و معه فاللازم هو الرجوع إلى الوجدان اللغوي لنجد أيَّا من المعاني هي التي أشار إليها اللغويون في محل كلامنا الحالي.
لا شك أنَّ ما أعطوه من معانٍ للجهد مختلفة اختلافاً واضحاً. لأن بين بذل الطاقة و الوسع من ناحية، و بين بلوغ الغاية من ناحية أخرى. عموماً و خصوصاً من وجه، لأنَّ بذل الطاقة قد يحصل حتى من دون حصول الغاية، كما أن الغاية قد تحصل بدون بذل أقصى الطاقة. كما أن بذل الطاقة قد يحصّل الغاية. إلاَّ أنَّ الذي يبدو للنظر هو: أنَّ المفهوم الارتكازي المشار إليه لغويّاً هو مرور الفرد بشيء من الصعوبة. و هذه الصعوبة قد تكون اختياريَّة و قد لا تكون، كما أنها قد تكون بالغة إلى حدّ الغاية و قد لا تكون.
فالجهد غير الاختياري هو الناشئ من الفقر، أو المرض. و المهم وجود الصعوبة من هذه الناحية سواء كانت قد بلغت أقصى الغاية أم لا. و هذا واضح في الارتكازات اللغوية، و إن كان على خلاف نص اللغويين سابقاً لوضوح: أننا نقول: جهده المرض. سواء كان إجهاداً عالياً جدّاً أو إجهاداً قليلاً.
و الجهد الاختياري: هو بذل القول و العمل للحصول على غاية معينة مطلوبة، و نريد من الغاية، الهدف أو العلة الغائية. و إن كان من المحتمل من