37
تمهيد
من يتدبر آيات الذكر الحكيم سيقف على وجود رابطة وثيقة بين الكمال النهائي للإنسان وبين دعوة القرآن بالتحرك نحو هذا الكمال؛ لأنّ غايته هي طلب الوصول إلى الكمال الذي خلق لأجله، وكما قال الفلاسفة (ما لأجله الحركة) 1، وبما إنّه كمال مطلق لا حدود له، فهو بحاجة إلى حركة دائبة مستمرة بلا انقطاع أبداً لنيل أعلى مراتبه الوجودية، قال تعالى: (إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ ) 2، غير أنّ الوصول إلى أعلى هذه المراتب الكمالية يحتاج إلى حركة مستقيمة باتجاه نقطة واحدة، وهي الله تعالى الواحد الأحد، قال تعالى: (إِنَّ اللّٰهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هٰذٰا صِرٰاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) 3، والعبد يدعو الله تعالى بأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وقال تعالى: (اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) 4، والله بمقتضى لطفه ورحمته بعباده قال: (وَ هَدَيْنٰاهُمَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) 5 وقال تعالى:( قُلْ لِمَنْ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ قُلْ لِلّٰهِ كَتَبَ عَلىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) 6 فمن باب لطفه بعباده ورحمته الواسعة، سخر للإنسان جميع موجودات عالم الإمكان، بهدف تحقيق وتسهيل الأمر عليه في الوصول إلى كماله، قال