148ثالثاً: أنّ اتصافه بصفات المخلوقين، يعني أن تكون له أجزاء كما للإنسان أجزاء، وهذا يعني تجسّمه ومحدوديته، اللازم لفقره واحتياجه إلى أجزائه، وهذا مخالف للأدلة والبراهين العقلية القطعية، الدالة على تجرده تجرداً مطلقاً من أي تركيبٍ كان، سواء من الوجود والماهية، أو من الجنس والفصل، أو من المادة والصورة ، أو من الأجزاء المقدارية، كما مرّ إثبات ذلك في أدلّة إثبات التوحيد الذاتي بقسميه الأحدي والواحدي.
النظرية الثانية: الإثبات بلا تكييف ولا تشبيه
هذه النظرية ذهب إليها الشيخ الأشعري هروباً من وصمة التجسيم، حيث ذهب إليها بحسب المتبادر منها في العرف ولكن مع قيد بلا تشبيه ولا تكييف، حيث جاء في كتابه الإبانة إنّ لله وجهاً بلا كيف، كما قال: (وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاٰلِ وَ الْإِكْرٰامِ ) 1 وأنّ له يدين بلا كيف، كما قال: (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) . 2
وقد نقل هذه النظرية عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير، وخلاصتها أنّ لله تعالى ما وصف به نفسه من الصفات الخبرية وتجري عليه كما يتبادر منها في العرف، ولكن بلا كيف ولا تشبيه، بمعنى له يد لا كأيدينا، وله وجه لا كوجوهنا، وله ساق لا كسيقاننا، ونحو ما جاء في هذه الصفات الخبرية.
وقد اعتمدها اتباع المدرسة الأشعرية لمدة طويلة حتى جاء أشعرية اليوم وحاولوا نفي هذا القول وعدم الالتزام به، لأمرين:
الأول: لكونه لغزاً لا جواب له.
وثانياً: لكونه لا يختلف عن قول المجسم إلّا من هذه الحيثية وهي بلا كيف، في حين أنّها تخرج المعتقد بها عن القول بالجسمية والإثبات.