128المدينة، ولكن لم تلبث الاتفاقية - شأن كلّ اتفاقيةٍ تعقد مع متمرّدين منقسمين إلى فرقٍ متعددةٍ متنافرةٍ - أن مُزّقت في أعقاب توقيعها، بينما استعدّ المتعصّبون من (اليارمز) والسيّد كاظم الرشتيّ و (ظلّ السلطان) للدفاع عن المدينة، ورُفعت المدافع على الأسوار، واستدعي العرب من ضواحي المدينة للدفاع عنها.
كان نقض هذا الاتّفاق سبباً في أن يصرّ نجيب على أن تخضع له المدينة بمثل ما تخضع به أيّة مدينةٍ عراقيةٍ أُخرى. وقبل أن يضرب نجيب ضربته الأخيرة، عقد مباحثاتٍ مع كبار الشخصيّات الفارسيّة، والوكيل الفارسيّ في كربلاء، ومع القنصلين الفرنسيّ والبريطانيّ ليكونوا على علمٍ بمدى مجهوداته السلميّة، ولعلّهم يعينونه على تسوية الأزمة، ولكن دون جدوى.
وعندما قرّر نجيب باشا إرسال حملةٍ ضدّ كربلاء، أخطرهم مقدّماً بمشروع حملته؛ لما كان يتوقّعه من نشوب أزمةٍ سياسيّةٍ كبيرةٍ بين الدولتين الفارسيّة والعثمانيّة. ولمّا كانت المدينة قد عبّأت قوّاتها وجلبت الإمدادات من خارجها، قدّر نجيب خطورة الفشل في إخضاع المدينة، فلم يكتفِ بما كان لديه من قوّاتٍ مرابطة في (المسيّب) وأتى بإمداداتٍ من بغداد، واستعان بمجموعةٍ من العشائر العربيّة الموالية له، غاضّاً الطرف عن نصيحة المبعوث البريطانيّ في طهران بشأن العدول عن إرسال الحملة.
وبعد أن اتّخذ نجيب إجراءاته الدبلوماسيّة والعسكريّة أصدر أوامره بمهاجمة المدينة بكتيبةٍ من الفرسان وعشرين مدفعاً وثلاث كتائب من المشاة، ثمّ أرسل في أعقابها إلى المدينة في 19 ديسمبر 1842م القوات العشائريةٌ وبدأ ضرب المدينة بالمدفعية، فعرض كاظم الرشتي أن يأخذ القائد عائلات زعماء اليارمز كرهينةٍ حتّى ينسحب الجيش، وفعلاً ذهب بعض زعماء اليارمز ولكن جاءت الأنباء بأنّ نجيب باشا رفض انسحاب الجيش، فعاد الصراع بين الطرفين، ثمّ عادت المفاوضات واشترك فيها المندوب الفارسيّ في بغداد، وتطرّف الثوّار للدرجة التي رفضوا معها الشروط المعتدلة، وزاد تمرّد الثوار شدّةً عندما أُشيع أنّ الجيش الفارسيّ يستعدّ لغزو العراق لينقذ كربلاء.