34
إِنّٰا أَخْلَصْنٰاهُمْ بِخٰالِصَةٍ ذِكْرَى الدّٰارِ ). 1
فمن آثار زيارة مراقد أولياء الله أنّها تجعل الإنسان يَعتبِر بالموت ويتذكّر الآخرة، وهي حقيقةٌ تناولتها أحاديث عديدة نُقلت عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) وأكّدت عليها، وسنذكر بعضاً منها لاحقاً. لذا فقد جعلها الشارع المقدّس من الأعمال المستحبّة لما لها من آثارٍ تربويّةٍ وفوائد معنويّةٍ كبيرةٍ، إذ أوصى بها رسول الله (صلى الله عليه و آله) وكان بنفسه يذهب لزيارة القبور ويعلّم أصحابه آداب زيارتها وكيفيّة السلام على الأموات.
وتجدر الإشارة إلى أنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد نهى عن زيارة القبور في بادئ الأمر كما جاء في بعض الأحاديث، إلا أنّه غيّر الحكم فيما بعد وأجاز للنّاس زيارتها. فلَرُبّما كان النهي في بادئ الأمر يعود لواقع الأموات حينها، لأنّ أغلب موتى المسلمين في بداية الدعوة كانوا مش-ركين وعبَدة أوثانٍ، لذلك قصد رسول الله (صلى الله عليه و آله) قطع صلة المسلمين بالمشركين، لا سيّما أنّهم كانوا حديثي العهد بالدين الجديد وقد يتلفّظون بالباطل أو بالش-رك عند زيارة قبور أمواتهم. ولكن بعد أن قويت شوكة الإسلام وترسّخت عقيدة التوحيد في نفوس المسلمين وأدركوا تعاليم دينهم وبعد أن ازداد عددهم وانتقل بعضهم إلى رحمة الله، أجاز لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) زيارة القبور، بل أوصاهم بها لما فيها من فوائد تربويّة لهم.
ونتطرّق فيما يلي لبعض الأحاديث التي رُويت في هذا الشأن، لكن قبل ذلك ننوّه إلى أنّ «الأمر» الذي ورد في هذه الأحاديث بعد «النهي» لا يدلّ على الإباحة بعد المنع فحسب، بل يدلّ على المطلوبيّة والاستحباب لأنّ