47
تمهيد
لاقت بعضُ المسائل التاريخيّة هوىً في نفوس البعض، فوقعت موقع الرضا منهم، واكتسبت بمرور الوقت صفة الجزم والقطعيّة، وأصبح المَساسُ بها خطّاً أحمر يؤدّي إلى اتّهام من يقترب منها بشتّى التهم، بينما تجد أنّ العديد من هذه المسائل إمّا أنّها لاأساس واقعيّاً لها، أو أنّها ضخّمت أكثر من حجمها بمراتب، حتّى غدا مجرّد التعرّض لها بالتحقيق والبحث الموضوعي موبقةً توجب التوبيخ! ومن جملة هذه المسائل التي شُوّهت وسُلبت الموضوعيّة عن مباحثها هي نسبة القول بالوصيّة إلى ابن سبأ، حتّى أصبح مخترعَها ومحدِثَها، بالرغم من قوّة الروايات الكثيرة الواردة فيها على لسان رسول الله (ص) وبعض كبار أصحابه، كما تقدّم نقل بعضها في الفصل الأوّل، وسنتتّبع في هذا الفصل ما يدّعى من مرويّات الوصيّة على لسان ابن سبأ، ونناقش أسانيدها ومحتواها، وحقيقة هذه الشخصيّة؛ ليتّضح الأمرُ في المسألة.
اختراع ابن سبأ للوصيّة في المرويّات الشيعيّة
إنّ المتأمّل بإنصاف في المصادر الشيعيّة يجد بوضوح تامّ أنّها خالية من أيّ رواية ولو ضعيفة السند أو مرسلة في أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة. لكنّ البعض سعى بشتّى السبل إلى أن يُبقي على هذه المقولة، فحاول أن يخلط بين دعوى أنّ ابن سبأ هو مخترع القول بالوصيّة ودعوى ثبوت أصل شخصيّة ابن سبأ، ليموّه على القارئ بأنّ