268الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (ص) وبين كتابه» 1.
فهذه الشواهد وغيرها مؤشّر قويّ على أنّ بذور الخلاف والشقاق كانت موجودة في هذه الأُمّة منذ كان النبيّ (ص) بين ظهرانيهم، ولكنّها كانت تبحث عن أرضيّة وأجواء مناسبة لتنمو وتكبر، وقد تهيّأت لها أسباب ذلك النموّ بعد رحيل الرسول الأكرم (ص) ، الذي كان يئد كلّ خلاف وهو في مهده، وكانت شخصيّته ومكانته تمنع من تفاقم الأوضاع، الأمر الذي فُقِد بعد رحيله عن هذه الدنيا، فما أن ارتحل (ص) إلى جوار ربّه حتّى هبّت رياح الفتن والاختلافات على الأُمّة الإسلاميّة لتعصف بكيانها الفكري والعقيدي والاجتماعي والسياسي، ذلك الكيان الذي أرسى قواعدَه وشيّدَ أركانَه الرسولُ (ص) بجهوده وجهاده وتضحياته وتضحيات أهل بيته عليهم السلام وأصحابه المنتجبين.
وقد كان موت النبيّ (ص) أوّل شيء اختلفوا فيه، حيث أنكر بعضهم هذه الحقيقة الواضحة التي لا تحتاج إلى برهان،
قال البغدادي في الفرق بين الفرق: «وأوّل خلاف وقع منهم هو اختلافهم في موت النبيّ (ص) فزعم قومٌ منهم أنّه لم يمت وإنّما أراد اللهُ رفعَه إليه كما رفع عيسى بن مريم، ثمّ اختلفوا بعد ذلك في موضع دفن النبيّ... ثمّ اختلفوا في الإمامة» 2.
ثمّ توالت بعد ذلك الخلافات بين أبناء الأُمّة الإسلاميّة كلّما امتدّ الزمن واتّسعت رقعةُ الدولة الإسلاميّة، ولم تكن هذه الخلافات على مستوى واحد، بل تارةً في مسائل أساسيّة ومبدئيّة، وأُخرى في مسائل فرعيّة وجزئيّة، إلّا أنّ الخلافات العقائدية كانت أشدّها فتكاً بوحدة المسلمين، وقد بدأت مبكرةً جدّاً في تاريخ أُمّتنا الإسلاميّة، نتيجة ما حلّ بها من تباين في الآراء والأنظار حول مسائل مهمّة وخطيرة غيّرت في كثير من
الأحيان وجهة المجتمع الإسلامي وحوّلته من مجتمع موحّد في زمن النبيّ (ص) إلى عدّة