172
فقد زال الغطاء و الوطاء، و انكشف لها عالم الغيب و أسرار منازل الآخرة. فصارت العلوم التي كانت برهانية عند التعلق بالأبدان و ضرورية بعد مفارقة الأبدان، و كانت تلك النفوس الروحانية حين كانت النفوس بدنية كانت تحت غبار و بخار، فلمّا زال البدن اشرقت تلك النقوش و تجلت و تلألأت، فحصل للنفوس المفارقة عن الأبدان بهذا الطريق نوع من الكمال.
وامّا انّ النفوس المتعلقة بهذه الأبدان اقوي من تلك النفوس المفارقة من وجه آخر فلانّ آلات الكسب باقية لهذه النفوس، فهذه النفوس بواسطة الأفكار المتلاحقة و الأنظار المتعاقبة تستفيد في كل يوم علماً جديداً و بحثاً زائداً. و هذه الحالة غير حاصلة للنفوس المفارقة.
والمقدمة الثالثة: انّ تعلّق النفوس بابدانها تعلق يشبه العشق الشديد و الحبّ التام.و لهذا السبب فانّ كلّ شيء يطلب تحصيله في الدنيا فانّما يطلب ليتوصل به إلى ايصال الخير و الراحة إلى هذا البدن، فذلك الميل يبقى، و ذلك العشق لايزول الاّ بعد حين. و تبقى تلك النفس عظيمة الميل إلى ذلك البدن، عظيمة الانجذاب اليه، لاسيما على المذهب الذي نصرناه من انّ النفوس الناطقة مدركة للجزئيات، و انّها تبقى موصوفة بهذا الإدراك بعد موت البدن.
وإذا عرفت هذه المقدمات فنقول: انّ الانسان إذا ذهب إلى قبر انسان قوي النفس، كامل الجوهر، شديد التأثير، و وقف هناك ساعة، و تأثرت نفسه من تلك التربة حصل لنفس هذا الزائر تعلق بتلك التربة. و قد عرفت انّ لنفس ذلك الميت تعلق بتلك التربة