60الدعاء وحقيقته، وهي معرفة قد يرتقي فيها العبد إلى مُحيط الذات، بشمّةٍ منها أو بصيص نور تُمسُّ به ذاته، وللداعي الخيار في ذلك، ولكن بحسب مقتضيات كماله؛ قال الحقُّ سبحانه: قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ أَيًّا مٰا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ وَ لاٰ تَجْهَرْ بِصَلاٰتِكَ وَ لاٰ تُخٰافِتْ بِهٰا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً (الإسراء: 110)، ولولا ضيق الخناق لأفصحنا عن مُراده سبحانه من الجهر والإخفات ومعنى ابتغاء السبيل في المقام، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.
ثمَّ الاعتقاد المحض بكونه تعالى هو المُعطي الآخذ، وهو الوهّاب المنَّاع، وأن لا مُؤثّر في الوجود غيره، ولا ريب بأن دون تحقّق كلّ ذلك تكون كلمات الداعي غير ربّه مُجرد تصدية ومُكاء، بل نسيجاً من ضلال؛ قال تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاٰ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّٰ كَبٰاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمٰاءِ لِيَبْلُغَ فٰاهُ وَ مٰا هُوَ بِبٰالِغِهِ وَ مٰا دُعٰاءُ الْكٰافِرِينَ إِلاّٰ فِي ضَلاٰلٍ (الرعد: 14)، والكفر لا يقتصر على إنكار وجود الله، وإنما يشمل الجهل به وبقدرته الواسعة، وبوحدانية مؤثّريته في الوجود. فمن اعتقد بوجود مُؤثّر في الوجود استقلالاً غير الله تعالى يكون قد عرف غير الله تعالى ودعاه، وهو دُعاء الكافر، الذي مُحصّلته النهائية هو كونه في ضلال، ولعلّ هذا من أعظم أسباب عدم استجابة الدعاء للكثير من الناس، وسوف يأتينا في فصل لاحق 1 ضرورة عدم عقد أيِّ أمل بغيره أبداً، فإنّ الله تعالى غيورٌ ولا يُحبُّ أن تسألَ غيرَه، أو تعتقد بأنَّ غيره سيقضي حاجتك، فإذا انعقد في قلوبنا أملٌ بغيره فلا معنى للتوجّه إليه تعالى، وقد