45إلا وهو وليّ الله، أَلْحَقُهُ وأسألُه أن يجعلني في حلٍّ، فأسرعت وراءه ...، ونظرت فإذا صاحبي قائم يصلّي على كثيب رمل، وهو راكع وساجد، وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تجري من خشية الله عزَّ وجل، فقلت: هذا صاحبي، لأمضينّ إليه، ثم لأسألنّه أن يجعلني في حلٍّ، فأقبلت نحوه، فلما نظر إليّ مقبلاً قال لي: يا شقيق وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ (طه: 82)، ثم غاب عن عيني فلم أره، فقلت: هذا رجل من الأبدال، وقد تكلَّم على سرِّي مرتين ... ورحل الحاجّ وأنا معهم، حتّى نزلنا، فإذا أنا بالفتى قائم على البئر، وبيده ركوة يستقي بها ماء، فانقطعت الركوة في البئر، فقلت: صاحبي والله، فرأيته قد
رمق السماء بطرفه، وهو يقول
:أنت ربّي إذا ظمئتُ إلى الماء، وقوّتي إذا أردت الطعام، إلهي وسيدي ما لي سواها، فلا تعدمنيها.
قال شقيق: فوالله، لقد رأيت البئر وقد فاض ماؤها حتّى جرى على وجه الأرض، فمدَّ يده، فتناول الركوة، فملأها ماء، ثمّ توضّأ، فأسبغ الوضوء، وصلّى ركعات، ثُمَّ مال إلى كثيب رمل أبيض، فجعل يقبض بيده من الرمل ويطرحه في الركوة، ثُمَّ يحرِّكها ويشرب، فقلت في نفسي: أتراه قد حوَّل الرمل سويقاً؟! فدنوت منه فقلت له: أطعمني - رحمك الله - من فضل ما أنعم الله به عليك. فنظر وقال لي:
يا شقيق، لم تزل نعمة الله علينا أهل البيت سابغة، وأياديه لدينا جميلة، فأحسن ظنّك بربّك، فإنه لا يضيع من أحسن به ظنّاً. فأخذت الركوة من يده وشربت ...، ثم غاب عن عيني، فلم أره حتّى دخلت مكّة وقضيتُ حجَّي، فإذا أنا بالفتى في هدأة من الليل، وقد زهرت النجوم، وهو إلى جانب قُبَّة الشراب راكعا ساجداً،