35صورته الرياء، فهنالك من يحرص على إظهار نفسه عبَّاداً دعّاءً، وقصده من ذلك جذب القلوب إليه، أو طلب المحبوبية في قلوب الناس، فذلك ما كان عابداً ليكون عبَّاداً، وما كان داعياً ليكون دعَّاءً، إنّما هي تصدية ومُكاء 1، ولقلقة لسان لا يجني من ورائها الفاعل شيئاً، بل سيجني سوءاً نتيجة فعله المشين ذلك، والرياء مُصيبة عظمى تُفرغ العبادة من محتواها، ومُصيبته الأعظم هو أنه يتّخذ من الدين وقيمه النبيلة موئلاً للوصول إلى مآربه الدنيئة الفارغة.
وعلى أيّ حال، فإنَّ كلا المعنيين يعنيان أن َّ الإخلاص في الدين لابدَّ أن يُقصد ويقع من الداعي ابتداءً، ثمَّ يأتي مورد الدعاء، لتكون ثمرة الاستجابة مُبتنية على أمرين لابدَّ منهما، الأوّل: هو الإخلاص في الدين، والثاني: تحقيق نفس الدعاء.
ومن آياته في ذلك، أنّه سبحانه عندما أراد مدح إبراهيم الخليل (عليه السلام) مدحه بكونِهِ كثيرَ الدعاء، حيثُ عَبّرَ عنه بقوله تعالى: ...إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ (التوبة: 114)، وقد سُئِل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن قول الله عزَّ وجلَّ: ...إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ لَأَوّٰاهٌ حَلِيمٌ فقال: «
الأوَّاه الدَّعَّاء » 2.
وأخيراً: لا ريب بأنَّ الدعاء هو محطّة السلامة بعد رحلة عناء، والطريق الموصل للكمال المفقود الذي يرى فيه الداعي سبيل السلام له، وطلب
السلامة هو معقد إجماع العقلاء، والسلامة تعمّ أمر الدين والدنيا والآخرة، وليس هنالك بعد الأخذ بالعقيدة، والعمل بالشريعة، غير الدعاء، فهو