47فمن أراد أن يرفع عمله وعبادته، لا يرفعه من خلال البُعد الكمّي، بل من خلال البُعد الكيفي، ويتحصّل ذلك برفع درجة المعرفة بالله سبحانه وتعالى.
ومن هذه المقدّمة يتّضح لنا أصلان:
الأصل الأوّل : أنّ الهدف من خلق الإنسان هو العبادة.
الأصل الثاني : أنّ هذه العبادة لا يمكن أن توصل إلى الله وإلى مقام القُرب إلّا إذا كانت ناتجة عن معرفة الله تعالى.
وبناءً على ذلك، انبثق اتّجاهان أساسيّان في معرفة الله سبحانه وتعالى:
الاتّجاه الأوّل : هو الاتّجاه الذي اعتقد به غالبيّة علماء المسلمين، من علماء أهل السنّة، ومن الأشاعرة، ومن المعتزلة والإماميّة والصوفيّة، ومن الفلاسفة والمتكلِّمين، وهم الغالبية العظمى من جمهور المسلمين وعلمائهم.
الاتّجاه الثاني: وهو الذي ذهب إليه أقلّية من العلماء - والتعبير عنهم بالعلماء من باب المسامحة في التعبير - وبعض المتكلِّمين، وهؤلاء لا يتجاوزون عدد أصابع اليد، وإذا ما أردنا احتسابهم فلن يصلوا إلى الثلاثين.
ونقاشنا هنا ليس مع أصحاب الاتّجاه الأوّل بل مع أصحاب الاتّجاه الثاني.
فما الذي يقوله أصحاب هذا الاتّجاه في معرفة الله تعالى؟
يعتقد أصحاب الاتّجاه الثاني بأنّ جميع الصفات الواردة في القرآن الكريم لله تعالى، وكذلك الصفات الإلهيّة التي وردت في الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ (ص)، والتي بظاهرها تُوحي بالتشبيه، أو بالتجسيم، ينبغي حملها على
ظاهرها، ونتج عن ذلك الاعتقاد بأنّ الله سبحانه وتعالى له جسم، وله مكان، وله حيّز، وله جهة، ويشار إليه بالإشارة الحسيّة، وأنّه سبحانه وتعالى