1122. لقد كان لقريش نفوذ في بلاد الرّوم و الشّام، لما كان لها من علاقات تجاريّة و اقتصادية معها. فالهجرة إلى هذا البلاد إذن سوف تسهّل على قريش استرجاع المهاجرين، أو على الأقل، إلحاق الأذى بهم؛ و لا سيّما إذا كان ملوك تلك البلاد لا يلتزمون بأي من الأصول الأخلاقيّة و الإنسانيّة، و لم يكن لديهم مانع من ممارسة أي نوع من أنواع الظّلم و الجور، و على الأخصّ بالنّسبة لمن ينتسب إلى دعوة يرون أنّها تضرّ بمصالحهم الشّخصيّة و تهدّد كيانهم و جبروتهم.
و أمّا بلاد اليمن، و بعض المناطق العربيّة و القِبليّة الأخرى، فقد كانت تحت نفوذ النّظام الفارسي، المتجبّر و الظّالم.
و يذكر هنا: أنّ بعض القبائل عند ما عرض عليها النّبيّ(ص) دعوته و طلب منها حمايتها له، قبلت بذلك، و لكن ممّا دون كسرى، أمّا من كسرى فلا. 13. قد كان لقريش نفوذ قويّ في مختلف القبائل العربيّة، حتّى ما كان منها تحت نفوذ الفرس و الرّوم.
4. ما ذكره النّبيّ(ص) من أنّ بها مَلِكاً لا يظلم عنده أحدٌ، فإنّ كلّ ذلك يجعلنا نضع أيدينا على السرّ الحقيقي لاختيار بلاد الحبشة، البعيدة عن النّفوذ الفارسي و الرّومي و القريشي، و الّتي لا يمكن لقريش أن تصل إليها على ظهر جواد أو راحلة، و إنّما بالسّفن عبر البحار، و لم تكن قريش تعرف حرب السّفن. فاختار رسول الله(ص) هذه البلاد بالذّات لتكون أرضاً لهجرة المسلمين، الّذين لا يزالون ضعافاً أمام قوّة قريش وجبروتها.
ثمّ انّنا نستفيد من قوله(ص) عن أرض الحبشة: «إنّها أرض صدق» أنّه قد كان فيها شعبٌ يعيش على الفطرة و يتعامل بالصّدق و الصّفاء، و ربّما كان النّاس في تلك المنطقة أقرب من غيرهم إلى الالتزام بما تبقى لديهم من تعاليم السّيد المسيح(ع) ، كما ربّما يستفاد مما جرى لجعفر مع مَلِك الحبشة في أمر