169
اَلْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ مَا هُمْ أَهْلُهُ وَ وَهَبَ لِأَهْلِ اَلْمَعْصِيَةِ اَلْقُوَّةَ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ وَ مَنَعَهُمْ إِطَاقَةَ اَلْقَبُولِ مِنْهُ فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا حَالاً تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ اَلتَّصْدِيقِ وَ هُوَ مَعْنَى شَاءَ مَا شَاءَ وَ هُوَ سِرُّهُ
بالتوفيقات و الهدايات و الألطاف الخاصة
بحقيقة ما هم أهله،
أي بحسب ما يرجع إليهم من النيات الصحيحة و الأعمال الصالحة و الطينات الطيبة "و وهب لأهل المعصية" الهبة هنا على سبيل التحكم أو يقال إعطاء أصل القوة لطف و رحمة، و باستعمال العبد إياها في المعصية تصير شرا، أو أنهم لما كانوا طالبين للمعصية راغبين فيها، فكأنهم سألوا ذلك و وهبهم و الأوسط أظهر.
"القوة على معصيتهم"
أي المعصية التي يفعلونها بإرادتهم و اختيارهم لسبق علمه فيهم، إذ علم أن التكليف لا يتم إلا بإعطاء الآلة و القوة، و إلا لكانوا مجبورين على الترك.
"و منعهم أطاقه القبول منه"
قيل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل عطفا على ضمير فيهم، أي لعلمه بأنهم يمنعون أنفسهم أطاقه القبول، و لا يخفى ما فيه لفظا و معنى.
أقول: و يحتمل أن يكون عطفا على السبق و يكون اللام فيهما لام العاقبة كما في قوله تعالى: " لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا 1"أي وهب لهم القوة مع أنه كان يعلم عدم إطاعتهم و تصييرهم أنفسهم بحيث كأنهم لا يطيقون القبول منه، أو منعهم بصيغة الماضي و يكون المراد ترك الألطاف الخاصة، فلما لم يلطف لهم فكأنه منعهم القبول كما في قوله تعالى: " خَتَمَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ 2"و كذا قوله: و لم يقدروا، أي قدرة تامة لسهولة كما كانت للفريق الأول عند الألطاف الخاصة، لأن علمه أولى بحقيقة