154
. . . . . . . . . .
الإذن بالتحريك، و استشهد بقول الشاعر: "إن همي في سماع و أذن"و ليس الأمر على ما توهمه هذا المتوهم، لأن الإذن هو المصدر، و الإذن هو اسم الفعل، و يجري مجرى الحذر في أنه مصدر، و الحذر بالتسكين الاسم على أنه لو لم يكن مسموعا إلا الإذن بالتحريك لجاز التسكين، مثل مثل و مثل و شبه و شبه و نظائر ذلك كثيرة.
و منها: أن يكون الإذن العلم و معناه إعلام الله المكلفين بفضل الإيمان و ما يدعو إلى فعله فيكون معنى الآية: و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإعلام الله تعالى لها ما يبعثها على الإيمان، و يدعوها إلى فعله، فأما ظن السائل دخول الإرادة في محتمل اللفظ فباطل، لأن الإذن لا يحتمل الإرادة في اللغة، و لو احتملها أيضا لم يجب ما توهمه لأنه إذا قال أن الإيمان لم يقع إلا و أنا مريد له لم ينف أن يكون مريدا لما لم يقع و ليس في صريح الكلام و لا في دليله شيء من ذلك.
فأما قوله تعالى: " وَ يَجْعَلُ اَلرِّجْسَ عَلَى اَلَّذِينَ لاٰ يَعْقِلُونَ "فلم يعن به الناقصي العقول، و إنما أراد تعالى الذين لم يعقلوا و يعلموا ما وجب عليهم علمه من معرفة خالقهم تعالى و الاعتراف بنبوة رسله عليهم السلام و الانقياد إلى طاعتهم و وصفهم بأنهم لا يعقلون تشبيها، كما قال تعالى: " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ 1"و كما يصف أحدنا من لم يفطن لبعض الأمور أو لم يعلم ما هو مأمور بعلمه بالجنون و فقد العقل، فأما الحديث الذي أورده السائل شاهدا له فقد قيل فيه: إنه صلى الله عليه و آله لم يرد بالبله ذوي الغفلة و النقص و الجنون و إنما أراد البله عن الشر و القبيح، و سماهم بلهاء عن ذلك من حيث لا يستعملونه و لا يعتادونه لا من حيث فقد العلم به، و وجه تشبيه من هذه حاله بالأبله ظاهر.