19
اِعْتَمَرَ فَلاٰ جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا »
(البقرة158/).
فهل ترى أنّ الطواف حول التراب والجبال والحجر عبادة لهذه الأشياء بحجّة أنّه خضوع لها؟!
إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للمؤمن والتعزّز على الكافر، قال سبحانه: «فَسَوْفَ يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكٰافِرِينَ » (المائدة54/).
فمجموع هذه الآيات وجميع مناسك الحج، يدلاّن بوضوح على أنّ مطلق الخضوع والتذلّل ليس عبادة. ولو فسّرها أئمة اللغة بالخضوع والتذلّل، فقد فسّروها بالمعنى الأوسع، فلا محيص حينئذٍ عن القول بأنّ العبادة ليست إلّا نوعاً خاصاً من الخضوع. ولو سُميت في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة، فإنّما سُميت من باب المبالغة والمجاز، يقول سبحانه: «أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً » (الفرقان43/) فكما أنّ إطلاق اسم الإلٰه على الهوىٰ مجاز فكذا تسمية متابعة الهوىٰ عبادة لها، ضرب من المجاز.
ومن ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَ أَنِ اعْبُدُونِي هٰذٰا