28
وقت محدّد وعلى جماعات ، أَليس ذلك هو الحج؟
إنّ الحج وإن اختلف بين حضارة وحضارة ودين ودين ، يبقى مرجعه ومحوره النموذجي هو الحج الذي فرضه اللّٰه تعالى على عباده .
والمحور النموذجي والمرجع الحقيقي لكل حج في تاريخ الإنسان هو حج الأنبياء والرسل وحج إبراهيم عليه السلام الذي دعا الناس بأمرٍ من اللّٰه تعالى لأوّل بيت مقدّس علىٰ وجه الأرض ، إلى أوّل بيت من بيوت اللّٰه جُعل للهداية ولغفران الذنوب ، وهو بيت اللّٰه العتيق في مكّة المكرّمة ، قال تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ 1 .
أي : جعل هذا البيت لجميع الناس ، ولجميع الأديان ، منذ خلقه اللّٰه تعالى حتّىٰ يقوم الحساب ، ولم يخصّصه لفئة معيّنة أو لدين معيّن؛ لأنّ الدعوة إلى الدين ، مصدرها الواحد الأحد لا غير ، فالخالق واحد ، والدعوة إلى الهدىٰ في جميع الأديان السماوية التوحيدية واحدة أيضاً ، ولا يمكن أن يفرق بين عباده ، بأن يجعل لأحدهم بيتاً مباركاً ذا رحمة وخير وبركة ، ولا يجعل للآخرين مثله ، وقوله تعالى :
وُضِعَ لِلنّٰاسِ و هُدىً لِلْعٰالَمِينَ يدل على ذلك المعنىٰ .
لكنّ الناس عبر المسيرة البشرية حرّفت الأديان والتعاليم السماوية ، والكتب المنزلة ، كصحف إبراهيم عليه السلام ، وتوراة موسىٰ عليه السلام ، وإنجيل عيسى عليه السلام ، وزبور داود عليه السلام ، إلى ما تشتهي الأنفس ويميل الهوىٰ عندهم اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا 2 ، وابتعدوا تماماً عن الدين ، إلّا من هدى اللّٰه تعالى منهم ، قال تعالى :
وَ لَقَدْ بَعَثْنٰا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّٰاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ