46لا بالذات ، وبنحو الاستقلال ، فإذا كانت الاستعانة - على النحول الأوّل - خاصّة باللّٰه تعالى ، فإنّ ذلك لا يدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً .
ثانياً : إنّ استعانة - كهذه - غير منفكّة عن الاستعانة باللّٰه ، بل هي عين الاستعانة به تعالى ، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل اللّٰه ومستنداً إليه) مناص من هذا .
وأخيراً نذكّر القارئ الكريم بأنّ مؤلّف المنار حيث إنّه لم يتصوّر للاستعانة بالأرواح إلّا صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال :
«ومن هنا تعلمون : إنّ الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم ، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون ، وعن ذكر اللّٰه معرضون» 1 .
ويلاحظ عليه : أنّ الاستعانة بغير اللّٰه (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على نوعين :
إحداهما عين التوحيد ، والأُخرى موجبة للشرك ؛ إحداهما مذكّرة باللّٰه ، والأُخرى مبعدة عن اللّٰه .
إنّ حدّ التوحيد والشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية ، وإنّما هو استقلال المعين وعدم استقلاله . وبعبارة أُخرىٰ المقياس : هو الغنى والفقر ، هو الأصالة وعدم الأصالة .
إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلّة المستندة إلى اللّٰه ، التيلا تعمل ولا تؤثّر إلّا بإذنه تعالى غير موجبة للغفلة عن اللّٰه ، بل هو خير موجّه ، ومذكّر باللّٰه . إذ معناها :
انقطاع كلّ الأسباب وانتهاء كلّ العلل إليه .