56المعاصي،و قد أوضحوه في كتبهم الكلامية.و المراد من اللطف المقرّب هنا ما عرفت من أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الاُمّة في مجالي العقيدة و الشريعة،كما تترك جدالاً و نزاعاً عنيفاً بين الأمّة في تعيين الإمام.فالواجب على اللّٰه سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبي الأكرم صلَّى اللّٰه عليه و آله و سلَّم في علمه بالعقيدة و الشريعة،و في العدالة و العصمة،و التدبير و الحنكة،و حسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول صلَّى اللّٰه عليه و آله و سلَّم،و لمّ شعث الاُمّة،و جمعهم على خط واحد.
و الغريب أنّ المعتزلة الذين يذهبون إلى وجوب اللطف و الأصلح على اللّٰه سبحانه،يشذّون في هذا المقام عن معتقدهم هذا،مع العلم بأنّ هذا المورد من جزئياته،و الذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحّة خلافة الخلفاء المتقدمين على عليّ،لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من اللّٰه سبحانه.
ثمّ إنّك قد تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم صلَّى اللّٰه عليه و آله و سلَّم -و بوحي من اللّٰه سبحانهقام بتطبيق القاعدة،و نصب إماماً للاُمّة،ليقود أمرهم و يسد جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى،و بذلك حسم مادة النزاع،و قطع الطريق على المشاغبين،و لكنّهو للأسف- تناست الاُمّة وصية الرسول صلَّى اللّٰه عليه و آله و سلَّم و أمره،فانقسموا إلى طوائف و أحزاب و قامت بينهم المعارك و الحروب التي أُريقت فيها الدماء،و استبيحت بسببها الأعراض،و تبدّلت نتيجة لذلك المفاهيم، و اختلفت القيم،و استثمر أعداء الدين هذه الاختلافات بين المسلمين فعمدوا إلى زيادة الهوة بينهم و كرسوا لذلك أقصى جهودهم حتى أصبح التقريب فضلاً عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكّرين،نسأل اللّٰه سبحانه أن يسد تلك الفجوة العميقة بايقاظ شعور علماء الأُمّة و مصلحيهم في المستقبل القريب إن شاء اللّٰه تعالى.