84بلا إشكال. ناشئ من أن الوجه قد يكون أبيض بخلقته، أو قد يكون رطباً، فتعكس ذرات الماء الذي عليه نوراً في النهار، فيجده الناظر لطيفاً. أو أنَّ مجرد رطوبة الوجه تجعله ألطف. أو أن ليونة لحم الوجه و رطوبته، بمعنى من المعاني المجازية، دعي إلى هذا الاستعمال. و من هنا تمّ استعمال ماء الوجه في غضارة الشباب و حسنه. و منه انتقل الاستعمال إلى المعنى الثاني. لأنهم و جدوا من خلال المعنى الأول أنَّ الوجه المحتوي على (الماء) يكون أفضل حالاً من الوجه الذي لا ماء فيه. فاشتقوا ذلك إلى العزَّة و الذلة الاجتماعية.
فقالوا في العزيز اجتماعياً: إنَّ ماء وجهه محفوظ، و في الذليل: إنَّ ماء وجهه ساقط. و العياذ باللّٰه. لأنَّ العزة و الذلة أول ما تبدو على الوجه، كما هو معلوم. و العزَّة هي الجانب الأفضل و الأقوى، فمثَّلوها بالجانب الأفضل من المعنى الأول، فاستعملوا ماء الوجه فيه.
و نلاحظ أنَّ استعمال ماء الوجه في هذا الوجه أوسع من الوجه الأول.
فإنَّ انعدام ماء الوجه في الوجه الأول، مسكوت عنه لغة، في حين أنَّ انعدامه بالمعنى الثاني يلتفتون إليه و يعبِّرون عنه بالسقوط و الإراقة: أراق ماء وجهه، و هو ساقط. و نحو ذلك.
و من نقاط قوته أيضاً: إننا لا نحتاج فيه إلى السؤال عن استعمال الوجه بالخصوص. لأنَّ ظهور العزة و الذلة إنما تبدو في الوجه بخلاف المعنى الأول.
فإنَّ غضارة الشباب موجودة في كلِّ البدن. فلما ذا اختير الوجه بالتعيين مع وضوح عدم صحة إضافته لأيِّ جزء آخر غير الوجه؟ تأمل تعرف.
كما نلاحظ أنَّ الاستعمال المجازي بدأ بالمعنى الأول ثم انتقل إلى الثاني. من باب سبك المجاز بالمجاز. يعني الانتقال من معنى مجازي إلى آخر بقرينة أو فذلكة مجازية ثانية. هذا، و لا يبعد أن يكون هذا الاستعمال واسعاً في اللغة، إلى حدٍّ لا يحتاج إلى قرينة. فالتسليم بكونه حقيقة غير بعيد. و هو الموافق مع ظاهر كلام اللغويين. إلاَّ أن نقطة الضعف الرئيسية في ذلك هي انعدام الماهية المشتركة بين ماء الوجه و الماء المطلق. و لا يمكن أن تستعمل ما ذكرناه من العلاقات المجازية كوسيط في ذلك. لغرض الاستغناء عنها عند الاستعمال الحقيقي. و معه فلا بدَّ من اتخاذ إحدى خطوتين