31و كما عرفنا أنَّ الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء احتوى على منحيين في الفهم أحدهما: عملي: و هو ممارسة الاستنباط. و الآخر نفسي: و هو الملكة التي تتضمن القدرة على تلك الممارسة. فكذلك التقليد، يحتوي على منحيين من هذا القبيل:
أحدهما: عملي: و هو تطبيق فتاوى المجتهد، فكل ما عمل الفرد و طبق منها، فقد قلّده فيها، و ما لم يطبق فلم يقلّد فيه.
ثانيهما: نظري: و هو النية أو العزم على الرجوع إلى مجتهد معيَّن، حتى و إن لم يطبق شيئاً من فتاواه بعد.
و بالرغم من أنَّ المنحى النفسي أو العقلي، في الاجتهاد كان هو الأرجح، إلاَّ أنَّ المنحى العملي في التقليد هو الأرجح، و من هنا لم يكن الاجتهاد و التقليد معنيين متقابلين تماماً. على أنه لا فائدة عملية من تسجيل تقابلهما التام.
أما المنحى العملي في التقليد، فينطبق عليه كلا المنشأين السابقين لمعناه. أمَّا المنشأ الأول فواضح الانطباق لأنه عملي بدوره. و أما المنشأ الثاني، فلأن تطبيق حكم المجتهد عمليّاً يعني ضمناً جعل مسئولية هذا العمل في ذمته. و هذا بخلاف المنحى النظري للتقليد، لوضوح عدم انطباق المنشأ الأول، الذي يتضمن التطبيق العملي، مع مجرد نية التقليد، فإنَّ هذه النية ليست تطبيقاً و لا لحكم واحد من فتاوى المجتهد. و إنما هو العزم على التطبيق في المستقبل لا غير.
نعم، قد يقال بانطباق المنشأ الثاني، لأنَّ نية التقليد تتضمن جعل مسئولية أعمال الفرد في ذمة المجتهد. و هذا يكفي. إلاَّ أنَّ هذا لا يخلوا من توسّع في المجازية، و كلما رجعنا إلى الأقل من العلاقات المجازية، و اقتربنا إلى المعنى الحقيقي، كان أولى كما هو المتحقق في علم الأصول. لأنَّ جعل المسؤولية في ذمة المجتهد إنما يكون في التطبيق العملي للفتوى. و أمَّا تسمية النية بأنها على هذا الغرار أيضاً، فإنما هو باعتبار أنَّها عزم على ذلك التطبيق.
إذن، فبكل صورة تكون نية التقليد، عزماً على التقليد، و ليست تقليداً