566يقيل و يصلي الظهر أول الزوال،و بعد العصر يشتغل بالكتابة كما ذكرنا.
أما في يوم الجمعة فكان يغيِّر منهجه،و يشتغل بعد الرجوع من الحرم الشريف بمطالعة بعض كتب الذكْر و المصيبة،لترتيب ما يقرؤه على المنبر بداره،و يخرج من مكتبته بعد الشمس بساعة إلى مجلسه العام،فيجلس و يحيِّي الحاضرين و يؤدِّي التعارفات،ثمّ يرقى المنبر فيقرأ ما رآه في الكتب بذلك اليوم،و مع ذلك يحتاط في النقل بما لم يكن صريحاً في الأخبار الجزمية،و كان إذا قرأ المصيبة تنحدر دموعه على شيبته،و بعد انقضاء المجلس يشتغل بوظائف الجمعة من التقليم و الحلق وقص الشارب و الغُسل و الأدعية و الآداب و النوافل و غيرها،و كان لا يكتب بعد عصر الجمعة على عادته،بل يتشرف إلى الحرم،و يشتغل بالمأثور إلى الغروب.كانت هذه عادته إلى أن انتقل إلى جوار ربِّه.
و مما سنَّه في تلك الأعوام:زيارة سيد الشهداء مشياً على الأقدام،فقد كان ذلك في عصر الشيخ الأنصاري من سُنن الأخيار و أعظم الشعائر،لكن تُرك في الأخير و صار من علائم الفقر و خصائص الأدنين من الناس،فكان العازم على ذلك يتخفى عن الناس لما في ذلك من الذُّل و العار،فلما رأى شيخنا ضعف هذا الأمر اهتم له و التزمه،فكان في خصوص زيارة عيد الأضحى يكتري بعض الدواب لحمل الأثقال و الأمتعة،و يمشي هو و صحبه،لكنه لضعف مزاجه لا يستطيع قطع المسافة من النجف إلى كربلاء بمبيت ليلة كما هو المرسوم عند أهله،بل يقضي في الطريق ثلاث ليال،يبيت الأولى في(المصلى)،و الثانية في(خان النصف)،و الثالثة في(خان النخيلة)،فيصل كربلاء في الرابعة،و يكون مشيه كل يوم ربع الطريق،نصفه صبحاً و نصفه عصراً،و يستريح وسط الطريق لأداء الفريضة و تناول الغذاء في ظلال خيمة يحملها معه،و في السنة الثانية و الثالثة زادت رغبة الناس و الصلحاء في الأمر،و ذهب ما كان في ذلك من الإهانة و الذل إلى أن صار عدد الخيم في بعض السنين أزيد من ثلاثين لكل واحدة بين العشرين و الثلاثين نفراً،و في السنة الأخيرة يعني زيارة عرفة